رئيس التحرير: إسلام عفيفى
النجوم يوتيوب

عودة الروح في دولة الجونة


  عمر زهران
9/27/2017 11:33:08 AM

لا يستطيع أحد حتي الآن أن يفهم، كيف تسعي دولة جاهدة لاكتشاف إمكاناتها ولا تنتبه إلي ذلك الكنز الثمين الذي حباها الله وحده وخصها به، إنه رأس مالها الحقيقي والأكثر ضمانا، إنها السينما، بكل ما تتضمنه من »نجوم، كوادر، أماكن، ومبدعين»‬، وكل ما يخص هذا الفن، لكن يبدو أن هناك من أدرك ذلك - وبذكاء نادر - وهو من احب السينما وأعلن ببساطة شديدة، ودون أي مزايدات وطنية، إنه قرر ترجمة مشاعره هذه علي أرض الواقع، ليقيم مهرجانا للفن السابع، واختار له مقرا لينطلق بدورته الأولي، من دولة الجونة، إنه المهندس نجيب ساويرس، والحقيقة أنني لا أدري لماذا خطر لي هذا الوصف وهذه التسمية علي منتجع الجونة بمدينة الغردقة، ربما لأنني شاهدت شيئا أشبه بـ»‬اليوتوبيا-  المدينة الفاضلة» التي حلم بها الفارابي منذ عدة قرون، لتنطلق الدورة الأولي برعاية رجل وقع اتفاقية تحالف مع النجاح في كل ما انجزه علي أرض الواقع من مشروعات، ولمن لا يعلم أنه جمعني لقاء خاطف وسريع مع السيدة سهير عبد القادر، والتي كانت تعمل لسنوات طويلة كنائب لرئيس المهرجان القاهرة السينمائي الدولي، وأكدت أن من كان يقف راعيا للنجوم العالميين الذين يحضرون إلي المهرجان هو نجيب ساويرس وهو من كان يتكفل بالمبالغ المالية التي كانت تدفع كمقابل لحضور هؤلاء النجوم.. فقط من أجل مساندة الثقافة والفن والقوة الناعمة في مصر.
وكان الحدث الأبرز في حفل الافتتاح للدورة الأولي، هو حضور وتكريم الزعيم عادل إمام، الذي أعلن بصراحة وشجاعة - واعتقد أن الزعيم حينما يتحدث لا يترك أي كلمة للصدفة - أنه لم يقبل التكريم ولم يأتي إلا من أجل دعوة صديقه المهندس نجيب ساويرس، مذيلا كلمته بعبارة أن المهرجانات والتكريمات  لا  تعنيه أبدا.
بالتأكيد وجود الزعيم أضفي كثيرا من السعادة الممزوجة بالبهجة والفخر لفعاليات المهرجان، مع وجود نجم أسطوري فاق بنجاحه وذكائه ونجوميته كل التوقعات، كما أن حضور أبناء الزعيم معه - المخرج رامي إمام والفنان محمد إمام - ومرافقتهما له، زاد من سعادة الحضور.
وبعفوية وخفة ظل استدعي النجم الكبير أبناءه للصعود معه علي خشبة التكريم، ولم ينسا الزعيم أن يداعب مدير المهرجان - انتشال التميمي - برقة ولطف، متسائلا: »‬اسمك هذا أم صفة؟»، لحظات قليلة قضاها الزعيم علي خشبة المسرح، كانت مليئة بالدفء، ودمعت عيون الحاضرين من النجوم، خاصة شريف منير الذي قدم أروع أدواره مع الزعيم في فيلم »‬عريس من جهة أمنية»، وتعلقت قلوب النجوم الشباب بكلماته وتعليقاته، ولسان حالهم يحلم بأن يحذوا حذوه، وأن يسجلوا في تاريخهم الفني لمحات تشبه مسيرته الطويلة، وغادر الزعيم خشبة المسرح ولم يره أحد بعد ذلك، ورفض تسجيل كلمة لأي قناة، مكتفيا بكلمته فوق خشبة المسرح، وتاركا الجمهور وهو متعطش للمزيد، ومؤكدا للجميع أنه يشعر بأن الحب ينتشر في أركان المكان، محييا النجمة الكبيرة يسرا، التي حرصت علي أن تسلمه التكريم بنفسها، وفي اعتقادي هذا يعد تكريماً آخر.
المهرجان اعتمد جوا ساحرا وتنظيما أكثر من رائع، ولولا مبالغة المصريين دوما في الشكوي من شدة الرياح، والتي لم تكن بالحجم الذي يدفع للشكوي، بل انني حينما جلست في منتصف صفوف مشاهدة الأفلام، وبجواري الكثير من الضيوف العرب، وبعض  من الأجانب، كنت اشعر بالسعادة حينما يسعدون من قدوم هذه الرياح التي تلطف الجو..  ووسط هذه الأجواء الأسطورية، جاء الإعلان عن الاستعداد لعرض فيلم الافتتاح، »‬الشيخ جاكسون»، الذي كانت هناك حالة من الترقب الشديد لمشاهدته، ربما لأن أفلام المخرج عمرو سلامة تثير دائما الجدل، وربما لأنه مخرج ينتمي إلي جيل من المخرجين الذين يحرصون علي تقديم سينما مختلفة، وبعيدة كل البعد عما يقدم من السينما المألوفة، كما أن ترشيح الفيلم لمسابقة »‬الأوسكار»، زاد من حجم الاشتياق لمشاهدته، وحضر جميع نجوم الفيلم بصحبة المخرج الذي حرص علي أن تصاحبه في العروض والدته، كما أن موضوع الفيلم واسمه كان أيضا من الأسباب التي جعلت الجميع يحرصون علي انتظار عرضه، وبلا شك أن الجميع شاهدوا عبر الشاشات تلك الواقعة التي لم تستغرق جزءاً من دقيقة واحدة، حينما تم استدعاء أبطال الفيلم إلي المسرح، مع مخرج العمل وجميع الأبطال، إلا أن هناك من أكد أن أحمد الفيشاوي اضطر للذهاب إلي الحمام، ليعود بعد أن نزل جميع أبطال العمل، وليقف وراء المذيعة التي حاولت أن تداعبه، قائلة: »‬كنت متأكدة أنه هيعمل كده»، وربما كانت تقصد خروجه من الكواليس، وتابعت قراءة إسكريبت الحفل، واعتقد أن هذا خلق نوعا من »‬الربكة» للنجم الشاب، الذي اضطر للنزول من فوق خشبة المسرح شبه غاضب، لأنه كان من الممكن أن تقدمه المذيعة للجمهور وتتركه يقدم فيلمه إليهم، لكن قبل نزوله كان قد أمسك بالميكروفون موجها كلامه للجميع واصفا شاشة العرض بوصف ولفظ صدم الجميع، وهنا اسمحوا لي بالتعليق علي الواقعة، والتي ما أن حدثت حتي اشتعل»‬الفيس بوك» وانهالت البوستات الغاضبة تدين تصرف الفيشاوي، لدرجة أن هناك محامياً قد تقدم للنائب العام ببلاغ يتهمه بالإساءة لمصر، بعيدا عن الحدث وحجمه ورغم أنه قد ألقي بظلال قاتمة علي الجميع، بمن فيهم الفنانة بشري التي ظلت لوقت طويل جالسة في مكانها بالقاعة - رغم خروج الجميع - وهي في حالة ذهول مما حدث، ورغم أنها كتبت »‬بوست» شديد اللهجة ضد أحمد الفيشاوي علي »‬الفيس»،  واصفة إياه بالفاشل، ورغم أن أحمد الفيشاوي نفسه سجل صوتا وصورة علي صفحته رسالة إعتذار، إلا أن دولة الأخلاق في الوسط الفني مازالت في ريعان شبابها، ورغم أننا نعيش في أجواء من التجاوزات الأخلاقية، إلا أنه لا يمكن أن تتحول تلك التجاوزات إلي قوانين حياة، وشكل من أشكال التطوير والتمدن، حتي ولو كانت هذه الممارسات سبقتنا لها مجتمعات أكثر تمدنا، وهذه الهجمة الغاضبة من تصرف الفيشاوي، والتي أجبرته علي الإعتذار، مدعاة للفخر، وترجمة لتمسك المجتمع، وخاصة الوسط الفني الذي انتفض بشدة ضد سلوك الفيشاوي، رغم أن البعض لم يراه بحجم موجة الغضب التي انتابت الجميع، خاصة السوشيال ميديا، واعتقد أن تصرف الفيشاوي لم يضر أحداً بقدر الضرر الذي لحق بالفيلم ذاته، فبالرغم من الاستحسان الشديد الذي استقبل به الجمهور حفل الافتتاح، إلا أن موقف الفيشاوي سحب الأنظار من الفيلم ذاته، وهذا بالتأكيد من سوء حظ الفيشاوي، الذي قدم دورا غاية في الروعة، وكان يستحق الاشادة، وهو ما لم يحدث بالتأكيد نظرا لإعلان المهرجان إلغاء ندوة الفيلم، حيث اشيع أن الفيشاوي قد غادر الجونة بعد أن سجل إعتذارا علي صفحته الشخصية، كما كتب مخرج العرض بيانا علي صفحته الشخصية علي  »‬الفيس» يستنكر فيه موقف أحد أعضاء فريق عمله أثناء حفل الافتتاح، قاصدا الفيشاوي.
في المهرجان أيضا طغي الحديث عن فساتين النجمات وأسماء مصمميها أكثر من الحديث حول توقعاتهم لفعاليات المهرجان، وعن الإضافة التي من الممكن أن يحصل عليها المشاركون بتواجدهم، أو بأعمالهم، بحيث طغي الحديث عن فستان إلهام شاهين علي كثير من الأحداث، حيث نوهت عنه وعن ماركته المذيعة بوسي شلبي بمجرد أن رأته قائلة: »‬دولشي جبانة» - وهي من أغلي الماركات العالمية - ولعل من أطرف المواقف أيضا حينما كانت هالة صدقي تسجل لإحدي القنوات علي السجادة الحمراء، لتفاجأ بصديقتها ألهام شاهين وهي تقوم بمعانقتها، لتقوم بعدها هالة بفحص فستان إلهام، وأهملا الكاميرا والمذيع، بل تركا اللقاء وسارا لمدخل الحفل.
وفوق السجادة الحمراء كانت هناك العديد من المواقف الطريفة، منها تقدم النجم الخلوق هشام سليم ليصافح الفنان السوري الشاب باسل خياط، مؤكدا إعجابه بدوره الأخير في مسلسل »‬30 يوم»، ولفتت الأنظار النجمة يسرا بتهافت القنوات عليها للتسجيل معها.
ومن أهم الأحداث الفنية في المهرجان عرض الفيلم اللبناني »‬القضية 23»، للمخرج      زياد الدويري، الذي حصد جائزة أفضل ممثل في مهرجان فينسيا السينمائي، وضجت القاعة بالتصفيق الحار بمجرد صعود مخرجه علي المسرح بصحبة انتشال التميمي، الذي فقد نصف وزنه تقريبا منذ بداية المهرجان، ولا أدري كيف سيكون وزنه مع حفل الختام، وشهد المهرجان نشاطا ملحوظا للنجمة التونسية هند صبري، حيث أقامت ندوة للمؤسسة التي ترأس مجلس إدارتها والمعروفة باسم »‬طيارة»، حيث أعلنت استقرارها علي 5 موضوعات من بين مئات الأفكار التي تلقتها لتبدأ مرحلة انتاج أفلام سينمائية للعرض علي »‬يوتيوب»، علي اعتبار أن المستقبل للإنترنت، أيضا عرض فيلم »‬ليلي» للمغربي فوزي بن سعيدي، والذي أثار جدلا، حيث رأي معظم الجمهور أن إيقاعه بطيء، وعالج قضية الفقر والبطالة بصورة ساذجة.
كما عرض الفيلم المصري »‬فوتو كوبي» للنجم الكبير محمود حميدة والنجمة شيرين رضا، ومن إخراج تامر عشري في تجربته الأولي، ويعرض الفيلم عالميا للمرة الأولي.
وفي اعتقادي أن المهرجان قد حظي بقدر كبير من النجاح والتميز، ولعل من أبرز عوامل نجاح هذا المهرجان هو وجود شخصية تتمتع بقدر عال  من المصداقية والمهنية، ورجل اثبت نجاحات كبيرة في كل موقع مسئولية، وهو انتشال التميمي، أحد الأسماء اللامعة في مجال المهرجانات العالمية، حيث استطاع بخبرته وحكمته إدارة الأزمات التي واجهت المهرجان، دون ضيق أو مزايدة.
وربما لو كان هناك شيئ نلوم المهرجان عليه فهو بلا شك ذلك الشيء الهزيل، والذي اساء للمهرجان كثيرا، هو قناة المهرجان والتي قدمت شيئا متميزا للغاية أثناء تغطية المؤتمر الصحفي، ثم ما لبثت أن قدمت تغطية لحفل الافتتاح وفاعليات المهرجان أقل ما توصف به أنها هزيلة، وغير مهنية ولا تمت للعمل التليفزيوني بأي صفة، حيث بدأت اللقاءات مع النجوم غاية في السذاجة، بالإضافة لعيوب في التصوير والاضاءة، ودون أي فواصل أو جرافيك أو فورم تليفزيوني، ولا أدري كيف مر الأمر هكذا علي إدارة المهرجان، لكن إجمالا لا نستطيع إلا أن نقدم التهنئة للوسط الفني، ولصناع الفن السابع لهذه الإضافة الفنية الكبيرة، وبالتأكيد الدورة الأولي تعتبر ناجحة إلي حد كبير، وشرف لمصر أن يقام علي أرضها مهرجان كمهرجان الجونة.




عدد المشاهدات 1421

الكلمات المتعلقة :