رئيس التحرير: إسلام عفيفى
تحقيقات

احنا آسفين يا ست !


  هشام يحيى
11/23/2017 10:26:27 AM


لم تسافر أم كلثوم إلى باريس إلا وحرصت أن يتم تصويرها أمام المسلة المصرية، الموجودة فى أشهر ميادين عاصمة النور، مما لفت نظر وفد الإعلاميين الذين كانوا يرافقوها حفلات المجهود الحربي، ردت عليهم الفلاحة القادمة من قرية «طماى الزهايرة» بفخر وثقة وكبرياء وشموخ: “عشان بتاعتنا”! وخلال صعودها الفنى أرست لنفسها منهجاً متشدداً فى التعامل مع المحيطين بها، فأبقت الجميع على مسافة منها، درءاً للإشاعات وعدم منح أى كان مبرراً لتناول سيرتها. وحسب رواية د. نعمات أحمد فؤاد، وصل الأمر ببريطانيا العظمى إلى منع ممثلتها الشهيرة فيفيان لى من إحياء حفلة لجنودها على مسرح الأزبكية لأنه وافق يوم الخميس الأول من الشهر، وهو اليوم نفسه الذى تقيم فيه أم كلثوم حفلتها الشهرية، حتى لا يتسبب ذلك فى إغضاب جماهير سيدة الغناء العربي، ما دفع بالممثلة الإنجليزية لحضور جزء من حفل أم كلثوم صاحبة هذه الشعبية، لتخرج بعدها واصفة إياها بأنها معجزة من المعجزات.



 لم يتوقف تليفونى عن الضجيج، طوال الأيام الماضية، كلها مكالمات غاضبة من المقال الذى قمت بنشره العدد الماضى بعنوان: «بعد سخرية شيرين من النيل.. عرفت منين المية الإيفيان.. بنت سلطح بابا»، كل المكالمات تقريبًا تحمل عتابًا قاسيًا، فى إتجاه واحد، كيف تجرأت ووضعت اسم أم كلثوم فى المقال! لدرجة أن أحد عشاق «الست» وصفنى بالمستهتر فى مساواة من جعلت الفن عملًا راقيًا ينظر إليه المجتمع بإحترام عظيم وقدسية، ومن اساءة لنفسها ولموهبتها وخانة صوتها والفن بشكل عام، من كانت تستقبل فى كل بلاد العالم، استقبالات الملوك والرؤساء والزعماء، ومن تركت لنا فى كل عاصمة عربية ذهبت اليها أزمة وفضيحة وذكرى سيئة «تونس المغرب السودان الأردن» من منحت ارفع الأوسمة والنياشين وتم تكريمها رسميًا وشعبيًا، الكل عنده قصة.. عن كوكب الشرق، أو معلومة يذكرنى بها، ويطالبنى بالإعتذار الفورى لروحها الطاهرة، بقدر ما أعطت لمصر والوطن العربى وللفن والإنسانية، لاتستحق أن أن يكتب اسمها اسم أم كلثوم فى مقال عن مطربة «البلهارسيا». أحد الزملاء استحلفنى أن أقوم بنشر بعض مقتطفات من التغطية الصحفية لزيارة كوكب الشرق للعراق الشقيق فى الإربعينات، ليتعرف القراء الشباب عن القيمة والقامة.. لفلاحة مصر، التى تعلمت الأدب والتربية وحسن الخلق على «طبلية» أبوها فى القرية.. الشيخ إبراهيم البلتاجي.. وحسب المنشور فى جريدة الراديو المصرى “شهدت بغداد ليلتين من أزهى ليالى الرشيد حينما استقلت نفحة الله للشرق ام كلثوم متن الطائرة فى صباح يوم الخميس الموافق 2 مايو، قاصدة إلى أرض ليلى لاحياء ليلة عيد ميلاد الملك الحبيب فيصل الثانى صاحب عرش العراق الشقيق. وكانت الحفلة رسمية دعى إليها كبراء الدولة ورجال السلك السياسى وقد تفضل سمو الأمير عبد الآله بتقديم الآنسة أم كلثوم بنفسه إلى كبار المدعوين ثم غنت أم كلثوم فأرهفت لها الأسماع، وغنت فسهر العراق كله ليسمعها، إذ كانت الحفلة مذاعة فى ارجاء العراق، وكانت الوصلة الأولى «يا ليلة العيد»، فدوت الأكف بالتصفيق ودمع العيون فرحا وابتهاجا وتأثرا وهتف العراق كله لأم كلثوم، وغنت بعد ذلك 3 وصلات كانت كلها استجابة لرغبات المدعوين انشدت فيها «غنى لى شوى شوي» و»كل الأحبة أتنين أتنين» وقصيدة شوقى العذبة الخالدة التى مطلعها: “سلو كؤوس الطلا هل لامست فاها...  واستخبروا الراح هل مست ثناياها”، ومما هو جدير بالذكر بكل فخر أن هذه الوصلة وحدها دامت ساعتين بين الاجادة والاستعادة.  وكانت أم كلثوم وحدها نجمة الحفل من أول الليل إلى آخره. وقد لاحظ بعد المدعويين أن سمو الوصى تخلف قليلا أثناء الحفلة ومعه جلالة الملك الصغير، إذ خرجا يطوفان أرجاء بغداد ليشهدا فرحة الناس بأم كلثوم، فلما عادا قال الأمير الوصي: “لو انى وزعت على كل عراقى كيسا مملوءا بالذهب لما استطعت أن ادخل السرور على قلوب أهل العراق كما فعلت بهم الليلة أم كلثوم»، على المقابل وجدت فى بريدى الإلكترونى مقالًا رفيعًا كتبه الناقد الراحل الكبير رجاء النقاش الذى رافق أم كلثوم فى رحلات المجهود الحربي، اختار منه هذه السطور: “عندما اقتربت منها شعرت بما كنت اسمعه عنها من قوة الشخصية واتساع الثقافة والمعرفة‏، هذه السيدة لم تعتمد على موهبتها فقط‏,‏ لكنها بذلت جهدا كبيرا ومستمرا فى تنمية ثقافتها‏,‏ وتوسيع معرفتها بشئون الحياة حتى وصلت إلى ما وصلت إليه من ثقافة عالية رفيعة، أم كلثوم التى لم تدخل مدرسة ولا جامعة‏,‏ ولم تتعلم سوى فترة قصيرة فى كتاب قريتها وهى طفلة‏، ‏ كانت تعطيك إحساسا قويا بأنها تخرجت فى أعظم جامعات الدنيا‏، وأنها تتفوق على الذين يحملون الدكتوراه من هذه الجامعات العالمية‏”، لكن تبقى أكثر المكالمات التى استنزفتنى فى النقاش كانت من صديق طالبنى بمنح مطربة «البلهارسيا» الأعذار، لإنها تعبر عن مفردات وتفاصيل عصرها، وأخذ يسرد لى أسماء المحيطين بها، واعتبرنى متجنى عليها، عندما أطالبها بما فوق طاقتها.. هل تواجدت فى عصر «طه حسين والعقاد وتوفيق الحكيم والمازني» وغيرهم، هل تتعامل مع صحفيين بقيمة مصطفى أمين والتابعى وفوميل لبيب ومحمد تبارك وجليل البندارى ومحمود عوض. كان يتكلم وأنا استعيد فى ذاكرتى قيمة الفنان والفنانة من خلال حكاية سمعتها من أستاذى لويس جريس بعد زواجه من الفنانة سناء جميل، حيث فوجئ بالثلاثة الكبار إحسان عبد القدوس ولويس عوض وصلاح جاهين، يقدموا له التوصية بالحفاظ على موهبة سناء جميل ومنحها بيئة صالحة للإبداع والاستمرار فى التألق والتوهج الفني، لدرجة أن حسب تعبير أستاذ لويس جريس لى شعرت أننى لست مقبل على الزواج، ولكن على مهمة وطنية، استعيد هذه الحكاية لأن أحد الكتاب الجاديين على الساحة والحاصل على الجوائز العربية الهامة فى الرواية، فى دفاعه عن مطربة «البلهارسيا» قال: «هل مطلوب من المطرب أو المطربة أن يكون مفكرًا؟”، وكأنه يمنحها تأشيرة للسطحية وممارسة الجهل العلنى على الناس!، أيضًا تذكرت مقال شهير نشر فى مجلة “الكواكب” بعنوان: «عبد الحليم حرامى الكتب»، بقلم الصحفى الكبير جليل البنداري، يحكى فيه إنه اكتشف إن عدد الكتب فى مكتبته يتراجع لدرجة أن الشك ساوره أن الشغالة تبيع الكتب بعد ذهابة للجريدة، لكنه بعد مراقبة دقيقة للمكتبة اكتشف أن اللص هو المطرب الشاب عبد الحليم حافظ الذى يتسلل للمكتبة ليقتنص الكتب ليستكمل ثقافته فى السياسة والآدب والعلوم الاجتماعية، حتى الموسيقار الكبير محمد عبد الوهاب بعد صدور مجلة (صباح الخير) تحمل شعارها البراق.. «مجلة القلوب الشابة والعقول المتحررة»، اكتشف أن مخزونه اللغوى الذى تكون فى حضرة شوقى والرافعى وطه حسين وحافظ إبراهيم وغيرهم لم يعد يسعفه، فى مواجهة المفرادات الشابة الجديدة لصحفيين مجلة «صباح الخير»، لم يتكبر ولم يأخذه الغرور، رتب موعدًا أسبوعيًا على الغذاء مع رئيس تحرير المجلة الكاتب أحمد بهاء الدين وطالبه بكل صراحة أن يقوم بتعليمه المفردات الجديدة ليواكب العصر ويتمكن من مخاطبة الشباب ولايبقى فى بيته منعزلًا مع مفرداته القديمة، إذن ليست القصة صوت حلو وموهبة جميلة، كل هذا يمكن أن يكون مصيره النسيان والتجاهل أو الإرتباط فى ذهن الناس بحكايات لا تشرف الفنان، أو عائلته ومحيطه، وتاريخ الفن المصرى حافل بأسماء لمواهب أكثر من عظيمة، طواهم النسيان ملفوفيين فى أكفان الفضائح، والحكايات الرخيصة!

عدد المشاهدات 704

الكلمات المتعلقة :