رئيس التحرير: إسلام عفيفى
توك شو

شادية التي لا يعرفها احد !

خزائن الاسرار


  محمد رجب
10/11/2017 11:04:37 AM

(((.. حبست الدموع في عيني حتي غاب عني.. وظللت أبكي بكاء مريرا متواصلا.. وصدقت مشاعري.. لقد ذهب ولم يعد أبدا.. استشهد في ميدان القتال.. سقط حبيبي شهيدا واسمي مكتوب حول إصبعه فوق دبلة الخطوبة.!)))
لم يتبق من خطيبي الاول سوي رسالة كتبها بخط يدة وشريط كاسيت بصوتي وصوته !
تقول للكاتب الكبير احمد رجب : اجمل ايام الشباب عشتها في المعادي ومصر الجديدة وحلوان ٫٫ وكانت اكثرها حزنا ايضا !

تأجل قرار الفنانة الكبيرة شادية لاعتزال الفن وارتداء الحجاب والخوض في حياة ايمانية نورانية  40 عاما!! كانت قد وافقت اول انسان احبته وتقدم للزواج منها علي ان تتفرغ للحياة الزوجية والامومة.. لكن الموت حرمها من حبيبها الضابط الذي استشهد في حرب فلسطين فعاشت محنة لم تنقذها منها سوي والدتها رحمها الله ! ولم يبقي من ذكريات هذا الحب العذري الطاهر سوي سطور بخط يد الشهيد وشريط كاسيت يحمل صوته وصوت شادية أو الحاجة فاطمة شاكر كما تحب ان يناديها الناس! هذه الأسرار وغيرها  وتفاصيل اول و اعنف قصة حب في حياتها روتها شادية بنفسها للكاتب الصحفي الكبير  أحمد رجب في حديث خاص جدا أجراه معها في نهاية الخمسينيات..!!
يقول أحمد رجب:
ما كنت أحسب إنني سوف أري شادية لحظة  واحدة علي تلك الحال!
ولا خطر ببالي أبدا - وأنا أدق بابها زائرا - أنني سوف أري البنت المرحة الضحوك داخل إطار هذا المشهد الدامع الحزين!
كان واضحا - وأنا أدق بابها زائرا - أنها ليست علي استعداد لأن تضحك ولا أن تبتسم! وكان واضحا - أيضا - أن في  ثغرها ابتسامة مغتصبة علي حساب كل عصب من أعصابها.. كلما رأت الموقف يقتضي بسمة مجاملة لضيف زائر!
قلت لها: ماذا كنت تفعلين؟!
قالت في صوت متعب يكسوه الملل: كنت أستمع إلي تسجيل!
قلت: أغنية جديدة!
قالت وهي تمد يدها لتدير مفتاح التسجيل:
**  أبدا: اسمع معي!
ودار فوق الجهاز شريط طويل لا يحمل لحنا ولا نغما! .. بل يحمل سرا من أسرار عمرها!
قالت لي شادية: سمعت؟!
قلت لها: سمعت.
قالت: أنا أجري إلي بيتي هذا لأدير هذا التسجيل كلما أحسست أنني سوف أقع في الحب! إن هذا التسجيل يذكرني بالمصل الواقي ضد الكوليرا مثلا! أن مصل الكوليرا مليء بميكروبات الكوليرا.. ولكنه يحمي منها! أن الميكروبات التي يحملها هذا التسجيل تحميني من كوليرا.. الحب!
قلت لها: وما هي ميكروبات هذا التسجيل؟
قالت: خيانة الرجل.. غدره. سفالة المخلوق الذي يحتوي امرأة بين ذراعيه ويسقيها حبا مغشوشا وحنانا زائفا.. وفي يده التي تحيط بظهرها خنجرا مسموما يطعنها به من الخلف!
قلت لها: معني هذا أنك في الطريق إلي حب جديد!
قالت: من الذي قال ذلك؟!
قلت لها: أنت! إنك لا تسمعين هذا التسجيل  الا إذا أحسست أنك في الطريق إلي حب..!
هكذا قلت لي!
قالت: مستحيل! أنا فقط في حالة فراغ!
قلت لها:  وفي حالة الفراغ الذي يملأ أيام الإنسان ولياليه.. يطيب البحث عن حب جديد!
قالت: كلام فارغ!
 وصمتت شادية قليلا وأصابعها النحيلة تقتحم خصلات شعرها الذهبي.. ثم اعتدلت برأسها لتقول:
**  هل تعرف ماذا يشبه الفراغ العاطفي!.. كأنك في صحراء.. صحراء كبيرة.. لا تسمع فيها إلا الصمت.. الخراب. العدم. لا تشعر فيها إلا بالخوف.. بالوحدة. بالانقباض. بالتوجس من الخطوة القادمة. أنا عشت في هذه الصحراء طوال عمري. منذ أن بدأت أحاسيسي تتفتح وتعي  وأنا- بنت 17- شيئا اسمه الحب!
* قلت لها: بلاش كذب يا شادية!.. ماذا تقولين عن قصص حبك التي يعرفها كل الناس!
قالت وهي ترسل ضحكة تقطر مرارة:
**  أنت مجنون! إن هذه القصص صنعها الفراغ المروع الذي عشت فيه ولم يصنعها قلبي ولا إحساسي!.. إنهم يقولون إن الصحراء فيها شيء اسمه - السراب - يسعي إليه التائه في خديعة.. وكل قصص الحب التي تحدثني عنها جاءت - علي أيام العمر - سرابا وراء سراب في التيه الذي مشيت فيه منذ 11 سنة! أنا لا أريد أن أكرر تجربة فاشلة. أنا لا أريد أن أوهم نفسي بخديعة جديدة. بحماقة جديدة أن ما تسميه قصص حب في حياتي هي سلسلة متتابعة من الحماقات. لا نسميها حبا أبدا!
قلت لها: ماذا تسميها أنت؟!
قالت: حماقات. تخبط. خداع للنفس. أي شيء إلا الحب!
قلت لها: وأول حب يا شادية.. ذلك الذي ملأ أعمدة الصحف بالضجيج والحب الثاني الذي كان أعلي ضجيجا! والحب الثالث الذي انتهي من شهور؟
قالت في يأس: أنت لا تفهمني! لا أحد يفهمني!.. ماذا أقول لك! كلا.. لن أقول شيئا.. لن أقول شيئا.!
الرجل الذي أحببته..!
وفجأة رأيت شادية تبكي!
غامت عيونها الصافية بالدموع ثم انحدر الدمع يجري علي الخدين!
ثم قالت تهمس لنفسها: راح!
قلت لها: من هو!
قالت: الرجل الوحيد الذي أحببته طوال شبابي! الذي كان سيدي وتاج راسي والذي كنت أشعر بضآلتي وصغري أمام عينيه! الذي كان يقتلع قلبي اقتلاعا عندما يدق بخطواته مقبلا نحوي! الذي هز مشاعري هزة الانفعال السعيد! الذي ذقت علي يديه حلاوة الحب مرة ثم تركني أجتر الحلاوة !
يقول احمد رجب:
 وتمطرني بالنظرات وعيونها تمطر دمعا غزيرا!  ثم تمضي قائلة : إنني أحيانا أشعر بالحنين المجنون إليه. فأركب سيارتي وأذهب إلي بيت أسرته! إنني أعود من هناك كل مرة واستسلم لبكاء طويل في فراشي! إن ذكريات حبه ترهق مشاعري ما من مرة مررت بحلوان أو المعادي أو مصر الجديدة إلا وطفر الدمع من عيني! ففي هذه الأماكن رأيت أحلي أيام شبابي معه! ما من مرة مررت بقصر عابدين إلا وانقبض قلبي وتقلص وشعرت بصرخة مكتومة تريد أن تنطلق من حلقي! لقد استشهد في رفح في نفس اللحظة التي ضربت فيها طائرات اليهود قصر عابدين!.. وبعد تلك الليلة ظللت عامين طويلين - حتي سنة 1950 - أري كل ليلة في منامي مشهد مقتله فأصرخ وأبكي وتحتضنني أمي في الفراش وأستيقظ لأجدها تضمني بين ذراعيها وتبكي معي!
ومضت شادية كما لو كانت تتحدث إلي نفسها.. تقول :
>>  وقبل أن يتطوع ويذهب إلي الحرب - كان يرسل لي خطاباته من الصعيد علي صندوق بوستة باسم إحدي قريباتي.. وعندما جاء إلي القاهرة سلمته كل الخطابات لأن إخفاءها كان مشكلة يومئذ في نظري.. لم يعد عندي بخطه إلا خطاب واحد كتبه لأبي.. وأحتفظ أنا به في أغلي مكان! سأموت وأنا علي حبي!
حبست الدموع في عيني حتي غاب عني.. وظللت أبكي بكاء مريرا متواصلا.. وصدقت مشاعري.. لقد ذهب ولم يعد أبدا.. استشهد في ميدان القتال.. سقط حبيبي شهيدا واسمي مكتوب حول إصبعه فوق دبلة الخطوبة.
تحطمت كل أحلامي.. وشعرت بأن قلبي قد تمزق.. وبأنه ينزف دما.. فقدت أي شعور بالحياة وبالناس من حولي.. فبدونه ليس للحياة معني.. لأنه كان حياتي نفسها.
وظللت أياما طويلة لا أنام.. وشريط الذكريات يملأ عقلي منذ أول لقاء لنا يوم أن غنيت أمامه في حفل الزواج حتي آخر لقاء يوم أن ودعته وهو ذاهب إلي ميدان القتال.
وإذا نمت أري منظرا بشعا.. صورته وهو يقتل بالأسلحة الفاسدة التي كان يحارب بها.. وأصرخ مفزوعة.. ولولا حنان أبي وعطف أمي.. لولا وقوف أهلي إلي جانبي في محنتي.. لكانت حياتي نفسها قد انتهت.. وتحول صدر أمي الحنون إلي بحر من الدموع.. دموعي الحزينة علي حبيبي الذي ذهب ولم يعد..
 وتنهي شادية هذه الاعترافات قائلة:
** لقد قتلوا حبيبي.. ذهب ضحية في حرب الخيانة والأسلحة الفاسدة.. وكرهت قصر عابدين وكل الذين أرسلوه إلي هذه الحرب ليموت ضحية تصرفاتهم الفاشلة.. وحتي الآن كلما مررت بحي عابدين وكلما اقتربت من حي عابدين أشعر بانقباض شديد.. وأشعر أن جرح قلبي القديم يؤلمني. ذلك الحب الحقيقي في حياتي.. ومازلت أذكر حبيبي الشهيد.. لو كان قد عاش لكانت حياتي كلها قد تغيرت.. ولكنت أصبحت الآن زوجة سعيدة وأما لأربعة أو خمسة أطفال.
وكلما شعرت بالضيق أو الوحدة.. أسرع إلي جهاز التسجيل لأستمع إلي صوته.. علي شريط التسجيل الذي كنت قد سجلت عليه حديثا دار بيننا.. أسمعه وأسمع نفسي وأنا أتحدث معه.. فتضيع من نفسي كل مشاعر الضيق والوحدة.. كلما عشت مع الذكريات الغالية.. مع أيام السعادة القليلة في حياتي.!
البقية العدد القادم

عدد المشاهدات 21

الكلمات المتعلقة :