رئيس التحرير: إسلام عفيفى
مقالات

لا نأسف لهذا لإزعاج


  
6/8/2017 11:45:20 AM

إذا أردت أن تعرف إلي أين تسير أمة؟ أين تقف؟ فيم تفكر؟ كيف تعيش؟ ما مفردات حياتها اليومية؟ لن تحتاج إلي مراكز بحثية متخصصة في قياس الرأي العام،‮ ‬أو اتخاذ القرار بل‮ ‬يكفيك أن تلجأ إلي إنتاجها الفني والثقافي‮.. ‬وقتها سترسمُ‮ ‬صورة صادقة دون تزييف أو مبالغة‮.‬
‮ ‬موازنة أفلام هوليوود سنوياً‮ ‬تتجاوز الإنفاق العسكري لعدد من الدول،‮ ‬و"إيرادات فيلم واحد بلغت مليار ونصف مليار دولار‮". ‬
دور خطير تلعبه السينما الأمريكية في‮ ‬غسل سمعتها،‮ ‬والترويج لمشروعاتها وأفكارها في العالم كله،‮ ‬قادرة علي تقديم‮ "‬المارينز الأمريكي‮" ‬باعتباره‮ "‬المرعب‮" ‬الذي لا‮ ‬يقهر،‮ ‬والأسطورة التي لا تهزم؛ حتي إن كان الواقع عكس ذلك تماماً‮.‬
مَن منّا لم‮ ‬يتعاطف مع‮ "‬كابتن أمريكا‮" ‬و"سوبر مان‮"‬،‮ ‬وسلسلة طويلة من قائمة أفلام تُمجد دولة عمرها لا‮ ‬يتجاوز مائتي عام‮.‬
إذا أردت أن تفهم كواليس السياسة الأمريكية،‮ ‬فما عليك إلا أن تطرق أبواب هوليوود‮ . ‬
إذا أردت أن تتنبأ بما هو قادم من قرارات وتوجهات أو تعرف كيف‮ ‬يتم صناعة القرار في واشنطن فعليك بالسينما‮.‬
غزّت الولايات المتحدة العالم كله بالثقافة والفنون،‮ ‬وصنعت مجدها وأسطورتها العابرة للقارات،‮ ‬كما فعلت الشركات متعددة الجنسيات‮. ‬
الفن منصة إطلاق صناعة الأمل،‮ ‬وتعبئة الجماهير لصالح وطن‮ ‬يستعيد نفسه،‮ ‬ويُعيد اكتشاف مقدراته،‮ ‬كان سنداً‮ ‬لثورة‮ ‬يوليو ومشروع الرئيس عبد الناصر،‮ ‬وبَشرّ‮ ‬بالإصلاح الاجتماعي والسياسي ونضال مصر ضد قوي الاستعمار،‮ ‬تغني المصريون ببناء السد والانتصار السياسي في معركة‮ ‬1956‮ ‬حتي في‮ ‬5‮ ‬يونيو؛ انطلق صوت‮ "‬عبد الحليم‮" ‬معبراً‮ ‬عن الملايين الذين رفضوا الهزيمة‮.‬
جزء كبير من أزمتنا اليوم؛ تراجع دور الفن في الدفاع عن هوية أمّة،‮ ‬ومستقبل وطن وأحلام جيل،‮ ‬كيف‮ ‬يحملنا الإبداع إلي آفاق أكثر رحابة ومساحات من التطهر وصفاء النفوس؟
كيف‮ ‬يقودنا لنعيد اكتشاف الذات المصرية التي صنعت معجزات وجابهت تحديات؟ كيف نستلهم نماذجًا مشرقةً‮ ‬من حياتنا الآن وما أكثرها تتصدر المشهد‮. ‬
كيف‮ ‬يدفع الشباب؛ ليدرك التزاماته ومسئولياته تجاه بلده،‮ ‬وهو‮ ‬يطالب بحقوقه المشرفة،‮ ‬كيف‮ ‬يهزم كتائب الاكتئاب الإلكتروني؟‮.‬
معارك كبيرة؛ تدور من أجل السيطرة علي العقول وتشكيل الوجدان وصناعة حالة من التعاطف،‮ ‬أو خلق حالة‮ ‬غضب تجاه قضية‮ "‬فلسطين نموذجًا‮"‬،‮ ‬أو تصدير جماعة أو ثقافة ومساندتها وترويجها لتسود بالحق أو الباطل‮. ‬
أشرس المعارك التي تخوضها مصر الآن؛ معركة الأفكار‮.. ‬خسارتها‮ ‬غير مقبولة لأن الفاتورة ستكون فادحة لا نتحمل سدادها‮.‬
الحرب علي الإرهاب تتطلب حصار الأفكار المتشددة والتطرف،‮ ‬تتطلب جداراً‮ ‬عازلاً‮ ‬من تعليم وثقافة وفنون،‮ ‬سدًا منيعًا‮ ‬غير قابل للاختراق،‮ ‬تخلق مناخ التسامح والمحبة وإملاء القيم الإنسانية طوق النجاة من شرور العالم وسوءاته‮.‬
ليست هذه مصر التي نراها في دراما الكمبوند والقصور الفاخرة،‮ ‬ولا هي البلطجة والسنج،‮ ‬والقبح القادم من مسلسلات تُمجد عشوائيات كُتابها،‮ ‬وتقدم نماذجًا مشوهة باعتبارها القدوة والمثل،‮ ‬سعيا وراء مكاسب،‮ ‬في المحصلة الأخيرة؛ خسارة قيم فادحة،‮ ‬لأنها تسحب من رصيد صنعه الآباء المبدعون،‮ ‬واستمتع به عشرات الملايين من المصريين والعرب‮. ‬
لم تكن مصر‮ ‬يوماً،‮ ‬ولن تكون فقيرة الروح في أكثر لحظاتها احتياجاً‮.. ‬أين مصر فيما تكتبون‮.. ‬مصر التي نعرفها ونعيش آلامها وأوجاعها وطموحاتها،‮ ‬ليست هي التي ترونها وترسمها أقلامكم‮.‬

عدد المشاهدات 507

الكلمات المتعلقة :