رئيس التحرير: إسلام عفيفى
مقالات

الوعي الزائف و الاعلام الخائف

لا ناسف للآزعاج


  
6/15/2017 11:05:35 AM

مَن‮ ‬يقود مَن؟‮.. ‬هذا السؤال‮ ‬يعبر عن ورطة كبيرة‮ ‬يعيشها الإعلام في السنوات الست الآخيرة،‮ ‬هل دور الإعلام أن‮ ‬يسير خلف الجماهير‮ ‬يردد ما تقول،‮ ‬وينشر ويذيع ويعلن ما تفعل،‮ ‬ويرصد توجهاتها ناقلاً‮ ‬دون تدخل؟،‮ ‬أم أن دوره،‮ ‬قيادة الرأي العام وتبصيره بكشف الحقائق؟،‮ ‬كل الحقائق؛ مهما كانت صادمة،‮ ‬ومهما كان الثمن الذي سيتحمله الإعلام من رصيده،‮ ‬نتيجة مواقفه من أجل الوطن‮. ‬
إذا تحدث الإعلام تُقية؛ فكيف‮ ‬يعلم الناس إذا خضعت الكلمة للابتزاز،‮ ‬ونُقلت الصورة زيفًا فمن أين‮ ‬يستقي المواطن معلوماته؟،‮ ‬وكيف‮ ‬يُحدد مواقفه،‮ ‬ويعلن انحيازاته بعد أن تم تغييبه أو تزييف وعيه عن عمد؟‮!‬
الإعلام الخائف لا‮ ‬يصنع إلا وعياً‮ ‬زائفًا،‮ ‬الإعلام الذي‮ "‬يركب الموجة‮"‬،‮ ‬وينبطح أمام الأصوات العالية سرعان ما‮ ‬يهوي تحت الأقدام تدوسه الأحذية،‮ ‬بمجرد عودة الوعي‮.. ‬بعض الأقلام تؤثر السلامة،‮ ‬وليس من أجل هذا صنعت،‮ ‬أو تنحني أمام رياح عاتية علها تنجو،‮ ‬فإذا ما عمّت السكينة عادت،‮ ‬واشرأبت أعناق حامليها لتعلن عن نفسها،‮ ‬وكأنها كانت في صدارة المشهد أو في مقدمة الصفوف تحارب الأخطار والأهوال،‮ ‬وموهبة‮ ‬يتقنها هؤلاء،‮ ‬وكثيرًا ما حصدوا‮ ‬غنائم،‮ ‬وحققوا منها مكاسب‮. ‬
ولدينا نوع آخر من الإعلام‮ ‬يمكن أن نطلق عليه‮ "‬إعلام منتصف العصا‮"‬،‮ ‬وهو متخصص وماهر لدرجة الإجادة،‮ ‬والإتقان في التسطيح،‮ ‬وعدم الانحياز،‮ ‬فهو لا‮ ‬ينتمي إلي هؤلاء ولا إلي هؤلاء،‮- ‬عملة لها وجهان‮-  ‬لا تستطيع أن تضبطه مؤيدًا أو معارضًا،‮ ‬وهو بهذا المعني؛ لا‮ ‬يهدف إلي الموضوعية،‮ ‬يتحسس خطي المعسكر الرابح،‮ ‬فإذا ما وضعت الحرب أوزارها كشف عن وجهه بأنه تنبأ بهذه النهايات،‮ ‬وفي كل الحالات تبريراته سابقة التجهيز‮. ‬
‮ ‬وهناك إعلام رجال الأعمال،‮ ‬الذي‮ ‬يدافع عن مصالحهم،‮ ‬وهو حقهم لا‮ ‬يستطيع أحد أن‮ ‬ينكر ذلك عليهم،‮ ‬ولدينا إعلام الإرهاب الذي‮ ‬يبشر بالتطرف ويروج للقتل والعنف ويتباهي بعمليات الغدر والخسة والدم‮. ‬
وسط هذا الضجيج نسعي بحثاً‮ ‬عن إعلام الوطن،‮ ‬وهنا لا أتحدث عن تصنيف حسب الملكية‮ "‬الإعلام الصادر من المؤسسات القومية الصحفية،‮ ‬واتحاد الإذاعة والتليفزيون‮"‬،‮ ‬ولكن حسب الهدف والقبلة‮.. ‬إعلام بوصلته البلد‮ ‬يخوض معاركه حفاظًا علي مؤسساته وهويته؛ لا‮ ‬يبغي نضالاً‮ ‬علي حساب الوطن،‮ ‬والمتاجرة بشعارات لا‮ ‬يعلم إلا الله نوايا أصحابها،‮ ‬أو قد‮ ‬يُفتَضح أمرهم بعد حين،‮ ‬ولكن‮ "‬بعد خراب مالطة‮". ‬
وهنا‮ ‬يجب أن نسأل أنفسنا‮.. ‬ما الذي‮ ‬يجعل إعلام الوطن أضعف صوتاً‮ ‬وأقل تأثيراً،‮ ‬ومَن‮ ‬يدافع عن الدولة المصرية وقوتها وتماسكها،‮ ‬البعض‮ ‬يخشي الوقوف بجانب وطنه الآن‮ - ‬وهي ظاهرة مستحدثة‮ - ‬إيثارًا للسلامة و"راحة البال‮"‬،‮ ‬أو خوفاً‮ ‬من اتهامه بالتطبيل،‮ ‬هذه الفزاعة التي‮ ‬يتم التلويح بها في وجه مَن‮ ‬يخالف أو‮ ‬يعترض أو حتي لا‮ ‬يتفق مع‮ "‬أصحاب الحنجوري‮"‬،‮ ‬إنه إرهاب من نوع آخر؛‮ ‬يمارسه تيار ببراعة،‮ ‬لينصرف المدافعون عن الدولة،‮ ‬وما‮ ‬يحدث في الإعلام تجري وقائعه في السياسة،‮ ‬فيتم انسحاب الجميع فيما‮ ‬يشبه‮ "‬الهروب الكبير‮"‬،‮ ‬فتقع الدولة فريسة لهؤلاء‮. ‬
إعلام الوطن‮ ‬يجوز بمعني آخر أن نسميه إعلام الحقائق الذي‮ ‬يكشف التحديات والصعوبات،‮ ‬وجهاز إنذار من الكوارث،‮ ‬والتنبؤ بالمخاطر،‮ ‬وتعرية الفاسدين،‮ ‬وفي الوقت نفسه اكتشاف الموهوبين والمبدعين والمخترعين،‮ ‬وتسليط الضوء علي تجارب الناجحين،‮ ‬والتبشير بما هو قادم،‮ ‬بمنطق فتح آفاق الأمل،‮ ‬وليس خداع المواطنين‮. ‬
وأخيرًا تبقي كلمة‮ .. ‬
ما نتابعه من ضجيج وتراشق حول قضية ترسيم الحدود البحرية والتي أصبحت تحمل عنوان‮ "‬تيران وصنافير‮"‬،‮ ‬ليس إلا تعبيراً‮ ‬عما وصل إليه حالنا،‮ ‬وكأننا لم نتعلم شيئاً‮ ‬من‮ "‬سنوات نشر الشائعات والتخوين‮"‬،‮ ‬التي ما زلنا نحاول تجاوز آثارها وترميم بنيان الوطن بسبب تداعيات وعي زائف وإعلام خائف‮.. ‬وللحديث بقية‮.‬

عدد المشاهدات 269

الكلمات المتعلقة :