رئيس التحرير: إسلام عفيفى
مقالات

الخلية ٫٫ حالة ثارية وطنية تتصدي للارهاب


  أ. د. إلهــام سيــف الدولــة حمــدان
10/11/2017 11:30:01 AM

لاشك أن الساحة الثقافية المصرية؛ مازالت تحمل في جنباتها االجينات الوراثيةب للفن الجيد في أعماق فكر القائمين علي التنوير للعقل المصري الجمعي؛ والحرص علي احترام رغبة المتلقي الجاد؛ في تلقف الإبداع وتعاطيه في أحسن صوره؛ لإثراء الفكر والوجدان والحمية الوطنية .
وسنجد هذا متحققًا ـ إلي حدٍ كبير ـ إذا مادخلنا إلي كهف المخرج السينمائي »‬طارق العريان»، وهو يقدم لنا أحدث أعماله السينمائية: فيلم »‬الخليَّة»، الذي  يثيرعدة تساؤلات منطقية، تتفجر في أذهان المشاهدين أثناء وبعد المشاهدة: هل المتفرج يبحث عن »‬الدراما» أم »‬الأكشن»؟ وبرغم صحة مقولة : إنه إذا لم تختلف الأذواق.. لبارت السلع ! لكننا نجد ـ والحق يقال ـ إن الدراما اختفت إلي حدٍ ما، أمام هذا الكم الهائل من التركيز علي الكر والفر والاشتباكات العنيفة المصحوبة بهدير مدرعات الشرطة وأزيز الرصاص المتطاير فوق رءوس المشاهدين، وسحب الدخان التي حجبت عن العيون والآذان الصورة والصوت معًا ! فلقد ضاع وسط الصخب والضجيج الكثيرمن الجمل الحوارية بين أبطال هذا العمل الفني، والمقارنة الفورية بين »‬انفعال وهياج» ضابط العمليات القتالية (سيف /الفنان أحمد عز)، و»‬الهدوء» المستفز لصديقه ورفيقه ضابط الأمن (صابرـ  الفنان / محمد ممدوح)، وقائد الخلية الإرهابية (مروان  ـ الفنان/ سامر المصري) .
»‬الأحداث»
تدور الأحداث حول ضابط عمليات خاصة (سيف)، يقوم بالتصدي لقائد »‬الخليَّة» الإرهابية (مروان)، وأثناء هذه العملية يستشهد ضابط العمليات الخاصة (عمروـ الفنان/ احمد صفوت)، ويصاب (سيف) إصابة بالغة نتيجة إنفجار قنبلة بجانبه، فيقسم علي أن يعود مرة أخري ليثأر لروح صديقه (عمرو)، إلا أن قائد العمليات الخاصة  يرفض رجوعه بسبب عدم استكمال شفائه من الجروح الخطيرة التي أصابت جسده وساقه،  وعلي جانب آخر يعمل الضابط (صابر) علي ملف هذا الإرهابي نفسه، فيذهب (سيف) إليه لكي يطلب منه مساعدته، وبالفعل ينجح في إقناع رئيسه المباشر(الفنان القدير/أشرف زكي) بأن يعمل (سيف) معه للاستفادة من مهاراته وحميته الوطنية، بعدها تحدُث المفاجآت الكبيرة عندما تأتيهم معلومات بخصوص مكان وجود زوجة الإرهابي (عائشة  ـ الفنانة/ ريهام عبد الغفور) التي تفجر جسدها بحزام ناسف عند وصول الضابط (سيف) إلي مكانها في مخبئها .  
وعلي ذكر الأدوار النسائية في خضم الأحداث، فقد جاء دور الفنانة »‬أمينة خليل» باهتًا خاليًا من الانفعالات الواجبة في مثل تلك المواقف الفارقة في العمل الفني، فلقد كُتب لها الدور في »‬السيناريو» فقط لتكون »‬مجرد منصة» للقفز بالأحداث، للتعريف بإصابتها الفجائية ـ دون مقدمات ـ بمرض »‬السرطان»، ووقوفها لتلقي محاضرة بين جموع غير معلومة الهوية، ولا أين مكان هذه المحاضرة، لإعلان قوة وصلابة مقاومتها للمرض اللعين والانتصار عليه، وهي قفزة ساذجة لإجبارالمشاهد علي عقد المقارنة وتفكيك المعادلات الموضوعية بين »‬السرطان» الجسدي الذي انتصرت عليه، وبين »‬السرطان» المجتمعي وضرورة الانتصار عليه في الواقع بالمقاومة بالأجهزة الشرطية الرسمية، وفي اعتقادي أن التفكيك لهذه  المعادلات الموضوعية التي يقصدها ، لن تكون ميسرة بالشكل الأمثل  للمشاهد العادي الذي لايتمتع بخلفية ثقافية أو سابق معرفة بتلك الإشارات الفنية .
»‬تساؤلات»
 ولي هُنا بعض التساؤلات المنطقية التي شغلت خاطري، والتي أتخيلها ثارت في عقل العديد من المشاهدين لهذا العمل السينمائي الجاد : لماذا لم يتم إتاحة المساحة الكافية للفنان الكبير »‬ أشرف زكي» لإظهار قدراته التمثيلية الخلاَّقة في لعب دور »‬رئيس المجموعة الشرَطية المكلفة بملف متابعة الخلية»؟  فوجود القائد بين جنوده، كفيلٌ بإظهار مدي وعي القيادة بكل الملابسات التي تحيط بأجواء العملية، والحالة النفسية والمزاجية لأفراد مجموعته، وبخاصة في المشاهد الأخيرة المرتبطة بإنقاذ ركاب عربات المترو، وهذا المشهد الرائع للبطل وهو يقوم بفصل »‬العربة» التي تحوي القنبلة وإنقاذ ركاب بقية العربات من الموت المحقق .. فكان يجب الإضاءة الكافية علي دور »‬القائد»، ليس فقط لإظهار قدراته الفنية، ولكن لنقل الشعور إلي المشاهدين بأن »‬القادة» لايديرون العمليات من خلال المكاتب المكيفة وأجهزة الإرسال والاستقبال، بل يديرون المعركة جنبًا إلي جنب مع جنودهم في الشوارع والحواري والأزقة، ويضعون الخطط الفورية البديلة، بحسب مسار الأحداث وتطوراتها علي الطبيعة .    
وجدير بي أن أقف وقفة قصيرة لأحيي اختيارات كاتب السيناريو والحوار/صلاح الجهيني، لأسماء أبطال هذا العمل من الناحية اللغوية ودلالاتها التي أتمني أن يدركها المشاهد، فكان اختيار اسم البطل الرئيسي »‬احمد عز» في مقاومة الخليَّة الإرهابية اختيارًا موفقًا ومنسجمًا مع طبيعة الدور.. وهو »‬سيف» ويرمز إلي القوة البتارة في الإصرار علي الحصول علي الحق بحسب قناعاته الثأرية، وكان اختيار اسم »‬صابر»  للفنان محمد ممدوح رفيقه في العملية اختيارًا موفقًا للتدليل علي الهدوء والمثابرة في الوصول إلي الحقائق برويَّة وإعمال فكر، بلا انفعال قد يفسد الرغبة في الوصول إلي الحلول دون اشتباكات أو مقاومة من الطرف الآخر، وكأنه يقصد صنع عملية التوازن في التفاعل مع الأحداث الجسام، والإضاءة علي القضية الأزلية في الصراع بين »‬المخ» و »‬العضلات»، تمامًا كالصراع المرير في قضايا الحُب العاطفي بين العقل والقلب.  وفي الأخيار جاء اختيار اسم »‬مروان» قائد الخلية الإرهابية للفنان سامر المصري غاية في التوفيق، لأنه اسم علم مذكر عربي، وهو نسبة إلي »‬المَرْو» والذي واحدته مروة وهي: الحَجَرَة الصلبة والتي تعرف بالصوّان، يُقدح به الزناد، لترسل شرر النار !
»‬بانوراما كاملة»
ومما لاشك فيه أن الفيلم نجح في عرض بانوراما كاملة، لما تعانيه الشرطة المصرية في مكافحة الإرهاب من أجل استتباب الأمن والطمأنينة داخل المجتمع المصري، برغم المعارك الشرسة التي تقضي علي الكثير من عناصرالشرطة الشابة بالاستشهاد أو الإصابات الخطيرة التي تترك العاهات المزمنة في أجسادهم، وقد نجح بامتياز في تصويربعض الوقائع الإرهابية، وبخاصة في مشهد حادث اغتيال النائب العام الذي تم في فترة الصباح داخل حي من أحياء القاهرة المكتظة بالسكان، فكان المشهد أقرب إلي الحقيقة، وكأننا نعيش في قلب الحدث بالفعل.  لذا .. كان الحرص الدائم للإخراج علي إقناع المشاهد أن الخطريحيط به في قلب القاهرة، والتصويرللأحداث خلال المطاردات في شوارع »‬وسط البلد» من زوايا رائعة مختلفة يؤطرها تمثال الزعيم مصطفي كامل، صاحب المقولة الخالدة : لو لم أكن مصريًا.. لوددت أن أكون مصريًا! للتذكيرالمستمر بروعة الانتماء إلي الوطن وعاصمته التي تتعرض للعديد من المؤامرات، سواء بالتخريب الممنهج ، أو المحاولات الدءوب لاستقطاب عناصر جديدة تنتمي للتيارات المعارضة المتشددة، للوصول إلي تحقيق حلم الحكم والسلطة الذي يعيشون علي أمل حدوثه، وحسنًا فعل السيناريو في عدم إظهار جنسية أو هوية العناصرالإرهابية، للتدليل علي عدم خصوصية الإرهاب أو اقتصاره علي جنسيات أو انتماءات عقائدية أو أيديولوجية بعينها، فالإرهاب هو الإرهاب القميء في كل زمانٍ ومكان، وتعتنقه كل الجنسيات التي تجنح إلي التطرف والمعارضة، تنفيذًا لأجندات خارجية تقوم بتعضيدهم وإمدادهم بكل المعونات المالية واللوجستية .  وكنت أتمني لو تم اختيار قائد الخليَّة (مروان) من جنسية غيرعربية، حتي لايلتصق بوجدان المشاهد أن الإرهاب ينبع من تكوين الشخصية العربية علي وجه التحديد .
»‬قضية شائكة»
وللحقيقة .. فإن الفيلم نجح ــ بحسب ــ رؤيتي  في تفجير قضية شائكة ومهمة، أتمني أن تُعقد من أجلها العديد من المؤتمرات البحثية الجماهيرية، لرصد وتقييم الحس والوجدان الشعبي تجاه  معني وتوجهات أية »‬خليَّة» يتم تكوينها سرًا أو جهرًا داخل نسيج المجتمع، فالخليَّة هي التي يحتشد لها مؤيدوها ومعتنقو مبادئها وأهدافها علي المدي القصير والطويل، ويدينون بالولاء والطاعة لقائدها ومخطط استراتيجيتها، فالخلية في المعني اللغوي هي :  المملكة الوهمية التي يفرز فيها النحل عسله، وتسود فيها روح الجماعة، بداية من »‬الملكة» و»‬الوصيفات» وجيوش »‬الشغيلة» الذين يعملون علي تنفيذ المهام الموكلة لهم ـ كلٌ في مجاله ـ دون تذمر، أو خروج علي المبادي المتفق والمتعارف عليها.  وقد يقول قائل هُنا: أن القياس مع الفارق!  نعم.. ولكن من يستطيع أن يصل إلي التفرقة بين »‬الخليَّة» التي تعمل لصالح المجتمع وتقدمه نحو الأمن والأمان، و»‬الخليَّة» التي تعمل علي هدم وتدمير المجتمع ونفث الأفكار الهدَّامة التي لاتتفق مع القانون والتقاليد والأعراف؟  لقد كشف الحوار الدائر بين المكلف الدائر بين »‬سيف» المنتمي لـ»‬خلية» الشرطة، وبين »‬مروان» قائد»‬خلية» الإرهاب، عن المعضلة التي يجب أن يُفسح لها المجال للمناقشة علي أوسع نطاق بين الجماهير ـ وبخاصة الطبقة الشعبية في المجتمع ـ  للتعريف بوجوب التفرقة بين »‬خلايا» حماة الأمن والأمان،وبين »‬خلايا» الإرهاب الممنهج لتدميروتفكيك المجتمع.  فلقد كانت المواجهة بينهما عاصفة ـ أثناء المطاردة داخل عربات المترو ـ وتبادل فيها كل منهما الدفاع عن توجهاته وقناعاته التي يعمل من أجل نصرتها وإعلائها، وكلٌ له وجهة نظره المنطقية بحسب قناعاته وإيمانه الداخلي، برغم أن كلا التوجهين يفضيان إلي الموت، يفسره كلٌ منهما علي حدة بأنه صاحب الحق في نيل »‬الشهادة»، علي نقيض الآخر .. فهو ليس موتًا مجردًا!
من هذا المنطلق.. تأتي دعوتي لمناقشة هذه المسألة الجوهرية علي نطاق واسع بين الجماهير.. ولعلها فرصة جيدة يفجرها عرض هذا الفيلم، حتي يتم تعريف المجتمع المصري  بل العربي أيضًا ـ بوجوب التفرقة بين الشرفاء الأنقياء بحب الوطن، وبين من يعملون لصالح تنفيذ مخططات خارجية، تسعي للتقسيم والتفكيك والتشرذم لمجتمعاتنا الآمنة.
»‬تحية واجبة»
إذن..  فالتحية واجبة لصنَّاع هذا الفيلم، لأنه استطاع أن يشدنا إلي مقاعدنا في ترقب لما ستسفرعنه الأحداث، وإبراز الواقعية في التكثيف علي تبيان اللياقة البدنية العالية للبطل »‬سيف»، الذي استطاع أن يقنعنا بأنه »‬ضابط شرطة حقيقي» من خلال المجهود الواضح الذي بذله في التدريبات الشخصية، للوصول بلياقته البدنية إلي أعلي المستويات، وإتقانه لأوضاع ضرب النار والتمترس خلف السواتر أثناء الاشتباكات، الأمرالذي أعطي كامل المصداقية للأحداث، فلم يعتمد الفنان »‬احمد عز» علي شخصية »‬الفتي الوسيم» فقط، ولكنه أضاف أيضًا للمُشاهد الكثير من الواقعية الحتمية لدوره المركب، ولم تفصله وقائع الأحداث عن التصرفات العادية كإنسان في بعض المواقف التي ترتقي إلي المشاهد الكوميدية بينه وبين الضابط »‬صابر» صديقه الصدوق، برغم الخلافات الجوهرية بين أسلوب التعامل مع الأحداث لكل منهما .  واستطاع الفيلم أن يصل بالمشاهد إلي القناعة بأن العمل ليس تجميلاً للوجه »‬الشُّرَطي»، أو نفاقًا لوزارة »‬الداخلية»، ولكنه نقل الحقيقة السائدة في الشارع المصري بكل الأمانة والمصداقية، ليخرج المشاهد إلي الطريق محملاً بين جوانحه بكل التعاطف الواجب مع هؤلاء الرجال الأشدّاء، الذين يدفعهم التفاني في حب الوطن إلي التضحية بأرواحهم، أو الخروج بالعاهات المستديمة التي تلازمهم طيلة حياتهم .
إن فيلم »‬الخلية» يقدم الدليل الدامغ، علي أهمية وجود الفنان المثقف الواعي، الذي يدرك أهمية الفن بكافة أشكاله في التصدي لعرض ومناقشة التحديات الداخلية والخارجية التي تواجه الوطن في الآونة الحاضرة، وضرورة أن تكون السينما هي الكاشفة لكل الأفكار المتطرفة الدخيلة علي مجتمعنا المصري، هذه الأفكار التي تعيث فسادًا في عقول الشباب، وتغرس بذور الشر في عقولهم وعقول الأجيال القادمة.. فلن يحمي الأوطان سوي العقول المستنيرة المؤمنة بالمعني الحقيقي لكلمة: وطن ! 

عدد المشاهدات 59

الكلمات المتعلقة :