مقالاتى

مصر « مش صغيرة يا سيد »

بلد حجازى وأبو هيف والتونى وعمر الشريف ومحفوظ وشيخ المجاهدين حسن خلف

إسلام عفيفى

5/3/2018 1:39:30 PM



بصوت مخنوق خرجت الكلمات كرصاص يخترق المشاعر والقلوب من سيدة الإبداع سناء جميل، وهى تقول لابنها أحمد زكى من الرصيف المقابل لبناية شاهقة تتطلع إليها فى أسى وانكسار وشعور بالضآلة: «ده إحنا صغيرين أوى يا سيد».

وتسرد ما جرى من عمرهما المنقضى ولحظات الهزيمة والرحيل الإجبارى من مدن القناة تحت قصف إجبارى لعدوان غاشم استهدف الأرواح والعمران ليحولها إلى أشلاء وخراب، ولكن.. «الجدة سناء جميل» لم تكن تتخيل أن الأصعب قادم، على حد قولها، لم تتوقع أن يكون هناك انكسار آخر، وهزيمة أخرى و«حمل تقيل أوى»؛ يصعب عليها أن تحمله أو تتحمله.

اتفق معك تمامًا سيدتى، وأضم صوتى للكاتب المبدع وحيد حامد فى هذا المشهد؛ الكاشف لحقيقة مؤلمة من فيلم «إضحك الصورة تطلع حلوة»، ولكنى لم أر أننا «صغيرين أوى»، فى أى مرحلة من مراحل تاريخنا أو تحولاتنا الاجتماعية والسياسية، بل أن أزمتنا «يا أستاذى الكبير» أن «مصر كبيرة أوى»، ربما فى بعض الأوقات والمراحل كانت أكبر من أحلام وسقف طموحات أبنائها.

صفحات التاريخ تعلن هذا، شواهد الحضارة دليل لا يحتاج دليل، وأيضاً أبناؤها نجحوا فى اختبارات، وغيّروا التاريخ تاركين بصمتهم، فمن لا يرى فاقد بصيره.

كان رد النجم أحمد زكى «سيد» على «الأم سناء جميل» قويًا وحاسمًا يحمل كبرياء بحجم الوطن: «لا يا أمى إحنا كبار بس إحنا إللى مش عارفين نشوف نفسنا»، هذا السبب الحقيقى وراء الاستجابة لحالات الإحباط واليأس وفقدان الثقة الذى ينتاب البعض الآن، البعض الذى لا يعرف كيف يرى وطنه فى حاضره ومستشرفاً المستقبل وبأى عين يقيم تاريخه؟

هدف الآخر، الذى يتربص بنا، ألا نرى أنفسنا وألا نعرف حجمنا الحقيقى، وألا نقرأ تاريخنا باعتزاز يتناسب مع أجيال كافحت ورموز ناضلت، وإن كانت الأجيال الشابة، على وجه التحديد، تنبهر بالأسطورة محمد صلاح لهذه الدرجة؛ التى نراها، فإنهم بالتأكيد لم يقرأوا عن أبطال، أعتقد أن الفرصة واللحظة تدعونا أن نذكرهم الآن.

محمد صلاح هذا الأسطورة، ليس من فراغ جاء إلينا، ليس كلمة عابرة فى الملاعب؛ بل جملة مفيدة من تاريخ طويل من أبطال كبار، هو فرع له جذور ضاربة فى أرض الإبداع وتاريخ البطولات.

صلاح؛ حفيد حسين حجازى أبو الكرة المصرية، أول محترف وقائد لمنتخب مصر الأول، ولعب مع إنجلترا ضد أسبانيا فى مدريد عام 1912 بحضور ملك أسبانيا ألفونسو الثالث عشر، والذى أشاد بحسين حجازى قائلاً: «لو تملك مصر لاعبين مثلك لتغلبتم على أى فريق فى العالم».

مواقف صلاح الإنسانية الرائعة؛ وتبرعاته بسخاء ليست نبتًا شيطانيًا، وإنما هى قيم مصرية رفيعة آمن بها من قبله بسنوات وعقود «تمساح النيل» عبد اللطيف أبو هيف، الذى حقق ثلاثة أرقام قياسية عالمية فى عبور المانش.

«أبو هيف» تبرع بجائزته المالية، فى إحدى السباقات، لأسرة السباح الإنجليزى «ماتيوس ويب»، الذى غرق خلال عبوره بحر المانش، ليست هذه الواقعة الفريدة فى تاريخ البطل العالمى؛ بل تبرع أيضاً بجائزته لجورج فاليرى، السباح الفرنسى عندما أصيب بالشلل، وتقاسم الجائزة التى فاز بها فى سباق مونتريال مع رفيقه الذى انسحب لمرضه فى بداية السباق.

«أبو هيف»، لم يكن أسطورة رياضية فقط بل وأسطورة إنسانية وحقق أكبر دعاية لمصر فى عصره.

خضر التونى، أسطورة أوليمبية لم يسمع عنها الملايين من شباب اليوم، هذا البطل الذى حطم أحلام هتلر عندما شارك فى دورة الألعاب الأوليمبية ببرلين عام 1936، وحقق التونى ابن الـ 19 عاماً انتصاراً ساحقاً على بطل ألمانيا، وحصد الميدالية الذهبية فى وزن المتوسط بعد أن حطم الرقم القياسى الأوليمبى ثلاث مرات، وبلغ مجموع رفعاته فى هذه الدورة 387.5 كجم، وكان الزعيم النازى يعقد آمالاً كبيرة على فوز اللاعب الألمانى ليثبت تفوق الجنس الآرى التى نادى بها وروّج لها وزيره «جوبلز»، غير أن هتلر أعجب بشدة بنجمنا المصرى ودعاه للمقصورة ليصافحه، ويحتفى به قائلاً: «كم كنت أتمنى أن تكون ألمانيًا وأريد أن تعتبر ألمانيا وطنك».

وحظى التونى بألقاب كثيرة «بطل أبطال رفع الأثقال، وأقوى رجل فى العالم، والبطل الذى لا يقهر»، وكان اسمه يدوى فى العالم كله لدرجة أنهم أطلقوا اسمه فى ميونيخ على أحد شوارع القرية الأوليمبية.

صفحات مجدنا ليست قاصرةً على الملاعب فقط، ولا يمكن اختزالها فى رموز رياضية، أو تنحصر فى حقبة زمنية توارت، نحن دائمًا قادرون على إعادة اكتشاف أنفسنا، وأن نفاجئ العالم، بل وأنفسنا أيضاً.

راية مصر رفعها فى المحافل الدولية عشرات الأسماء اللامعة فى العلوم والثقافة والأدب والفن، قائمة طويلة من د. فاروق الباز ود. أحمد زويل وهانى عازر، ونجيب محفوظ، وداليدا، وعمر الشريف ويوسف شاهين ويسرى نصر الله، ورمزى يسى والسير مجدى يعقوب، ونجوم الإسكواش أحمد برادة، ومحمد الشوربجى تلك اللعبة التى نتسيدها فى العالم ونجوم فرق كرة اليد التى نحتل فيها مركزًا عالميا مرموقا.

معايير النجومية كما أفهما ليست تلك المتعلقة ببريق الشهرة فى مجالات محددة لا تتجاوزها فى الرياضة والفن فقط، بل فى بلد يمر بهذه الظروف نحن فى أشد الحاجة إلى «تنجيم»، أبطال من نوع آخر «أحمد المنسى» ورفاقه، العمال الذين حفروا قناة السويس، ويبنون العاصمة الإدارية الجديدة، أبطال من ميدان المعارك وجبهات القتال.

شيخ المجاهدين حسن خلف؛ الذى قدمته إدارة الشئون المعنوية فى ندوتها التثقيفية الأخيرة، كان اختيارًا جاء فى وقته تمام ًا، أولاً لأنه نموذج بطولة فذّ وفريد، يتحدى الإدعاء الإسرائيلى، عندما تم أسره قائلاً فى كبرياء: «لم يجبرنى قادتى على عبور قناة السويس، وإنما عبرت لأحرر أرضى».

وثانياً، يجب تقديم الشيخ حسن كأحد الرموز المصرية، يجب أن يسرد كفاحه وبطولاته هو وأبناء جيله مثل سالم الهرش، الذى جاءت به إسرائيل فى مؤتمر صحفى عالمى ليعلن أن سيناء أرض إسرائيلية؛ فإذا به يعلن أمام العالم كله أنها أرض مصرية خالصة، ليعرف الشباب قيمة هؤلاء ونضالهم لاسترداد الأرض، ومعها الكرامة المصرية، هذه أفضل دراما، وأروع أفلام ترد على الاتهامات المزعومة ضد أهلنا فى سيناء.

وثالثاً لأنه أجمل توثيق لتاريخ حقيقى يجب أن يظل حاضراً فى الأذهان جيلاً بعد جيل.. وأخيراً هذه مسئولية وطنية إعلامية وإبداعية دونها نخسر كثيراً، وإذا نجحنا فيها ستعرف الأجيال «يعنى إيه مصر».

وتبقى كلمة..
الشباب يحتاج رمزًا، قدوةً، نماذج بطولات.. قد لا يري الحاضر بوضوح، بسبب شوشرة مفتعلة، ومقصودة، دعونا نفتش فى ذاكرة تاريخنا الحديث والمعاصر، بالتأكيد سنكتشف أسماءً قادرة على إبهار شبابنا، وستكون ملهمةً للمستقبل.

عدد المشاهدات 1172

الكلمات الدالة :