مقالاتى

عندما يكون الحلم رأفت الهجان

عندما تتحدث القوة الناعمة بصدق ..

إسـلام عفيفى يكتب :



محمود عبدالعزيز هو فعلاً الساحر الذى خطف قلوبنا واحتل مساحات واسعة من عقول أبناء جيلى، وهذا النوع تحديدا من الاحتلال لا يكون قابلا للرحيل بل يظل ملازما لك طالما بقيت حيّا، لأنه أصبح جزءً من تكوينك، يسرى فى شرايينك حبه، يشكل وعيك، ويكون حاضرا وانت تتخذ قراراتك دون أن تدرى، بل وأحيانا لا تعرف لماذا تصرفت بهذه الطريقة فى هذا الموقف، أو لماذا انحزت لهذا القرار وتلك القضية..إنه الوعى الذى تشكل على مدار سنوات وترسخ عبر التجارب، هذا الوعى هو ما صنعه الإبداع


إذا وجدت نفسك لا تعرف سبب ردود بعض أفعالك فابحث عن تلك الأشياء التى مرت بك، والأشخاص الذين تأثرت بهم، والمشاهدات التى خرجت بها من كل هذه الخلطة السحرية. كثيرا ما اعود لمشاهدة مسلسل رأفت الهجان من حين لآخر إعجابا وتقديرا للنجم الذى جسده، وللبطل الحقيقى الذى خاض المغامرة المستحيلة، أشاهد محمود عبدالعزيز وقد اختلطت الدراما بالواقع، والتشخيص بالحقيقة، لا فرق بين الاثنين، وهى نتيجة منطقية لبراعة ممثل، وعظمة الشخص الذى غامر بحياته من أجل وطنه، كيف استطاع هذا الممثل أن يخلق كل هذا التعاطف مع الهجان ( ابن مصر )، كيف نقل لنا معاناته وسط المجتمع الاسرائيلى، ومشاهد انتصاره التى كانت للهجان مشاهد انكسار للوطن ( مصر ) وأيضا مشاهد انكسار تل أبيب وهى لحظات مجد القاهرة والأمة العربية، ما هذا التشخيص وما هى الروح التى تلبست ساحر السينما محمود عبدالعزيز ليظل هذا العمل عزيزا علينا وخالدا أمام كل الأجيال. قد يبدو هذا الكلام لدى البعض إنشائيا أو عاطفيا أو دعائيا لشخص نجم رحل اسمه محمود عبدالعزيز، أو بطل من تراب هذا الوطن اسمه رأفت على سليمان الهجان، ولكنها الحقيقة مجردة، فالمسألة أكبر من مسلسل درامى أو رغبة فى طرح واحد من أبطال الظل فى الوطن الذين ناضلوا ورحلوا لم يكن ينتظروا شكرا ولا ثناء على ما قدموا، عملوا بمنتهى الإخلاص سرا وغادروا فى هدوء. الهجان حالة لا تستطيع أن تقاوم سحرها، حالة وطنية قبل أن تكون فنية، حالة تجسد قيم الإنتماء والولاء والعطاء، تأريخ لمرحلة بناء واحدة من أهم مؤسسات الدولة المصرية ( جهاز المخابرات العامة ) وكيف قامت بدورها فى هذه المرحلة الحرجة فى عمر الوطن، وسطرت سجلاتها ملاحم وبطولات فذة،( الهجان -المسلسل ) قدم خدمة جليلة ليس فقط لهذه المؤسسة الوطنية ولكن للوطن والأجيال، وقدمت نموذجا للعمل الفنى فى أرقى درجاته. استدعاء الحالة ضرورة الآن وسط تحولات وتحديات وتساؤلات قلقة حول الهوية، ومعارك تافهة على السوشيال ميديا حول أدعياء الفن والإلهاء، وهى فقاعات لا تستحق التوقف أو كثير من تأمل فمصيرها النسيان والانزواء، ولكن مايعنينا هنا هو دور القوة الناعمة فى صياغة وجدان وتشكيل عقول، بما يفرض على أهل الصناعة والفن أن يسددوا فواتير الوطن من رصيد الابداع، الفنون ليست وسيلة للترفيه والتسلية وإن كان هذا الدور جزء من وظيفتها فى أوقات ومراحل ودوّل، فإنها مطالبة فى بلد يعيش ظروفا استثنائية مثل بلدنا أن تخوض بشرف معركة بناء الوطن وأن تكون حائط صد للدفاع عن هويته وثقافته ومشروعه. ( الهجان - النموذج ) عندما أذيع الجزء الأول من الحلقات كانت تخلو الشوارع من المارة، فى حالة أشبه بفرض الطوارىء، وكان الصبية تتلبسهم حالة رأفت الهجان، من منا لا يتمنى أن يكون مكانه، فى موقعه، يخاطر متخفيا، يغامر بحياته فى أروع بطولة تلبية لاستدعاء الوطن ؟!! جيلنا محظوظ بنجومه فى الكتابة والابداع أكثر من هذا الجيل بمراحل، ومحظوظ أيضا أنه عاش مرحلة كان تليفزيون الدولة عملاقا بإنتاجه، وصناعة النجوم، وتشكيل الرأى العام والوجدان، ربما كان هذا التأثير الطاغى والسطوة نابعة ليس فقط من قيمة وقوة المحتوى الإبداعى، ولكن أيضا لأن ماسبيرو كان وحده يصول ويجول فى العقول ويحرك المشاعر والأحاسيس، قبل ظهور الفضائيات وزحام القنوات، ثم ثورة إعلام الديجيتال، والشبكات المشفرة، كل هذه المستجدات فى التكنولوجيا، والأذواق وتفاعل الأجيال الجديدة يجب أن تكون حافزا لتطوير ماسبيرو (المحتوى- الهيكل) ودعمه ليتصدر من جديد ويساهم فى مرحلة بناء الوطن. من صنع حالة رأفت الهجان هو الإبداع، وهو أيضا من صنع تلك الحالة حول جمعة الشوان، هذا النوع من الانتاج الذى قدمه ماسبيرو لا يجب أن يكون مجرد عمل وانتهى الأمر، أو مجرد حالة استثنائية، بل يحتاج خطة إنتاجية وفق سياسة مستمرة ومستقرة تضع أمام الأجيال النماذج التى تستحق أن تتصدر المشهد فى هذه المرحلة، أعلم أن الجزء الثانى من مسلسل ( الزيبق ) سيكون جاهزا للعرض ضمن دراما رمضان القادم، وما أتمناه أن تكون خزينة الملفات الوطنية المهمة وما أكثرها متاحة لترى النور، وتدرك أجيال تكنولوجيا الاتصالات حجم التضحيات التى يتم تقديمها فى صمت يدعو للفخر، ونبل وترفع فى رسالة تبعث على الاقتداء حتى لا يفقد هؤلاء بوصلة حب بلدهم.

عدد المشاهدات 739

الكلمات الدالة :