النجوم يوتيوب

فى أجواء رحيلها الـ 43

يتجدد السؤال عن سر خلود أم كلثوم


  هشام يحيى
2/7/2018 5:35:12 PM



بعد 43 عامًا من الرحيل، سوف يظل السؤال مستمرًا،كيف إستطاعت أم كلثوم أن تحافظ على مكانها على القمة، وكيف صنعت لنفسها مكانة أدبية ومعنوية فى وجدان الشعب المصري، تجاوزت كثيرًا مكانتها الفنية، وهذا ظهر جليًا فى مشهد وداعها المهيب بميدان التحرير، عندما فرض الشعب إرادته وحول جنازتها من جنازة رسمية إلى جنازة شعبية، لم يحدث لها مثيل، بل غير مسار الجنازة.. وفرض أن يقام عليها الصلاة فى مسجد الإمام الحسين، بعد أن سار بالجثمان فى قاهرتها الحبيبة، بين عشاقها، ومحبيها فى الوداع الأخير. الموسيقار الكبير محمد عبد الوهاب.. رد على السؤال قائلًا:"شخصية أم كلثوم جزء لا يتجزأ من غنائها، أم كلثوم عندما يتم حضور حفلة لها تختلف كثيرًا سماعها أغنية لها فى الإذاعة، عندما تشاهد على المسرح وجهًا لوجه، تستكمل الصورة الكاملة لـ أم كلثوم، هذه السيدة العظيمة لم تكن تغنى بصوتها فقط ولكن بصوتها وجسدها، جميع أعضاء جسدها تشارك فى الغناء (الرأس، القدم، الأيدي، بالكتاف) تمنح الكلمات التى تغنيها تفسيرًا حركيًا، بجانب الأداء الصوتي، جمهورها كان يسمع ويفهم معانى ما تغنيه على المسرح، ومن هنا كانت يبدأ الضجيج والجنون فى القاعة من المتعة، وأحيانًا تكون المتعة من الأداء الحركي، واذكر إن فى أحد المرات، فى أغنية"ليلة حب".. عند مقطع"ما تعذبناش ما تشوقناش"كررتها أكثر من مرة، ومر الغناء عادى فى المرة الأخيرة حدث ضجيج فى القاعة وتصفيق لم ينتهي، مما أثار إنتباهي، لإنى كنت اسمع الأغنية فى"الراديو".. فكان ضرورى أن اسأل عن سر إنفعال الجمهور فى المرة الأخيرة، وكانت الإجابة، أحد الحاضرين، انتقل من مكانه فى الصفوف الأخيرة ووقف أمامها على المسرح، تحت قدميها يبدى إعجابه بها بصوت عالى ومتكرر، مما تسبب فى إزعاجها، إلتفتت نحوه واشارت بيدها"ما تعذبناش"، مما جعل الجمهور ينفعل معها، وهذا أحد أسرارها، ومايؤكد أن أم كلثوم على المسرح أجمل وأروع كثيرًا من"الراديو"، ومن عبقرية"كوكب الشرق"الإضافات، بمعنى إنها تغنى الجملة 10 مرات وأحيانًا 20 بأداء غنائى وتعبيرى مختلف لإنها تمتلك إستعداد رباني، يمنحها فتوحات فى كل حفلة، تلهب مشاعر الجماهير"تضغط على حرف، تدغدغ عبارة"مما يضيف جديد على الأغنية، ولا يجعل الجمهور يشعر بالملل من سماع"أم كلثوم"، وهذا يجيب على سؤال آخر شغل كثيرًا بائعى الإسطوانات، ومقدمى برامج"مايطلبه المستمعون"تجد إصرار على حفلات معينة، لنفس الأغنية، مثلًا:"أمل حياتي"حفلة مارس، أو"الأطلال"حفلة باريس، وهذا يجعلنى أتمنى أن تجمع حفلات"أم كلثوم"من كل البلاد العربية، لأن كل حفلة تمثل تراث خاص، لهذه الفنانة العظيمة، وينتقل الموسيقار محمد عبد الوهاب فى حواره عن أم كلثوم الإنسانة.. وليست الفنانة، ويقدم وصف للحياة التى تعيش فيها قائلًا:"ست بيت بمعنى الكلمة، لا تعيش حياة الفنانين كالسهر والذهاب إلى المسارح والحفلات، تعيش فى بيت حشمة، تقليدي، يخضع للقواعد الصارمة، تقضى وقت فراغها فى قراءة كتاب، تستمع إلى الإذاعة حتى تكون متابعة لما يقدم من أغانى جديدة، ولايمر يوم إلا ونتكلم فى التليفون ونتناقش فى الأغاني، وكثيرًا ما اختلفنا، فى الأراء، وأحيانًا نتفق، ورغم كل هذا كان بداخلها رغبة فى المعاصرة، والتجديد، ولكنها كانت تنتظر من"ينكوشها"وهذا حدث بعد التعاون الفنى بيننا فى أغنية"أنت عمري"وفى هذا التعاون اكتشفت أم كلثوم أخرى غير التى كانت فى خيالي، إنها شخصية"ديكتاتورية"لا تقبل النقاش، وتفرض أرائها على الملحن الذى يعمل معها، بالعكس، يكفى إنها قالت لى فى أول جلسة:"يا محمد أنت معاك"كارت بلانش"تفعل ما تريد.. ولكن طلبى الوحيد.. إن كل شئ يخضع للتجربة"بمعنى إذا توافق اللحن مع احساسها، تنفذه فورًا وإذا لم يتوافق معها، نبدأ النقاش، احترمت هذا التوجه، وعرضت عليها إدخال"الجيتار"على فرقتها الموسيقية، لم تعترض وطلبت السماع، وهى طبعًا سميعة من الدرجة الأولى، وحساسة من الدرجة الأولى، واقتنعت بسهولة شديدة، ودخلت على المرحلة الأصعب وهى إقناعها بأهمية الموسيقى وإفراد مساحات لها، وإن هذا يكون أحد أهم مميزات التعاون الفنى بيننا. وإستكمالًا للتفسير الشخصى لسيدة الغناء العربى"أم كلثوم"يكشف عبد الوهاب، إنه بعد الإقتراب منها وجدها سيدة معاصرة بكل المقايس، مشغولة، بالأزياء، والموضة، فى حدود ما يليق عليها، وتناسق الألوان، وحتى قصة الشعر، وهذا يضعنا أمام رؤيتها للفنان إنه لا يقدم فن فقط، ولكنه يقدم فن وسلوك وخلق ومعاصرة وإحترام وإجلال، كل هذا كان موجود فى"أم كلثوم". من جانب آخر يكشف رفيق المشوار والرحلة.. رياض السنباطي.. سر الخلود قائلًا: لا يمكن مقارنة أم كلثوم، بمطربة أخرى هى تعيش فى كوكب منفردة، والأخريات فى كوكب آخر"، واستفاض فى الحوار عنها مسترجعًا جزء من ذكريات الرحلة والمشوار والكفاح المشترك الذى جمعهما فى تقديم أكثر من 350 أغنية. أكثر ما استوقفنى وهو يروى كيف كانت كوكب الشرق حريصة قبل الصعود الى المسرح للقاء الجمهور أن تقرأ القرأن وتكثر من الصلاة وتبتهل إلى الله فى خشوع أن يمنحها التوفيق، وكأنها مطربة ناشئة تواجه الجمهور على المسرح أول مرة، على المقابل يحكى الملحن بليغ حمدى واقعة أخرى تكشف سر الخلود الفنى الذى استمر 43 عامًا وسيبقى أبد الدهر:"قبل حفلة"ألف ليلة وليلة"عرضت عليها أن أقوم بعمل اختصار فى المقدمة الموسيقية للأغنية، ولكنى وجدت منها إعتراض كبير، ورفض عنيف، ويوم الحفلة فاجئتنى برغبتها أن نلتقى قبل الحفلة، وهى تعلم جيدًا، إننى لا يمكن أن احضر حفلة خوفًا من رد فعل الجمهور، لكنها كان عندها إصرار غريب أن احضر، وبالفعل ذهبت وأنا مستعد للهروب من المسرح، قبل أن تبدأ الغناء، فى الكواليس وجدتها مشغولة بضبط الآلات مع أعضاء الفرقة الموسيقية، فجأة التفتت نحوي، وأمسكت بيدي، وجدت يدها باردة جدًا، صرخت فى قائلة:"وعايز تختصر من المقدمة.. ده أنا بتلم على نفسى فى فترة المقدمة الموسيقية"إندهشت جدًا، وسألتها:"هو إنتى خايفة ياست"ردت برعب:"جدًا".. فى هذه اللحظة (الكلام لبليغ حمدي) فهمت سر عبقرية وعظمة هذه السيدة التى تجلس وتتربع على عرش الغناء. عمار الشريعى الذى حرمه القدر والجمهور أن تلتقى معه فى لحن، كان له تفسير فنى آخر.. أن صوت أم كلثوم كان يمنح أى ملحن.. مساحة للخيال، والإبداع بلا حدود، يطلق لنفسه الخيال وهو يعلم إن كل ما يتمناه ويحلم به هذه السيدة قادرة على تنفيذه، لاشيء يقف أمامها، لأنها موهبة إستثنائية فى تاريخنا الغنائي، لن تتكرر.

عدد المشاهدات 563

الكلمات المتعلقة :