تحقيقات

سينما الدرجة الثانية .. خط الدفاع الاول ضدالتطرف والارهاب


  هشام يحيى
12/18/2017 1:19:17 PM

موظفة «الكاشير» فى السوبر ماركت الشهير، بالحى الذى أعيش فيه ــ شبرا ــ نبهتنى أننى أبكي، بعد أن عصتنى دموعى وفشلت فى التحكم فيها، أوجدت لها مبررًا إننى أعانى من الحساسية، وسحبت أشيائى بسرعة من أمامها، خوفًا أن تفضحنى دموعى أكثر، خرجت من السوبر ماركت الذى كان يومًا ما سينما (شبرا بالاس)، والتى تشكل فيها ذوقى السينمائى وحبى للحياة، وكانت بمثابة خط الدفاع الأول لحمايتى أنا وأصدقائى من فئران التطرف الذين بدأوا الظهور فى فترات المراهقة فى سنوات السبعينات. انتقلت على الرصيف الآخر، ووقفت أتحسر على المكان الذى التقيت فيه لأول مرة، مع "عبد الحليم حافظ، رشدى أباظة، نور الشريف، محمود ياسين، نجلاء فتحي، زبيدة ثروت، ومحمد عوض". كيف هانت سينما "شبرا بالاس" على أصحابها لهذه الدرجة، بعد أن كنا فى هذا المكان نشاهد الأفلام، ونرسم الأحلام، ونخطط فى ظلام قاعة العرض للمستقبل، وتختلط أحلامنا الصغيرة بأحلامنا الكبيرة للوطن، تصبح مجرد سوبر ماركت، يباع فيه البصل والليمون والخل واللحمة والسمك وأدوات التنظيف! أخذت أتأمل الواجهة القبيحة للمكان، واستعيد فى ذاكرتى شكل "الأفيش" الملون لأفلام "العاطفة والجسد، زوجتى والكلب، البنات والمرسيدس، المساجين الثلاثة، أعظم طفل فى العالم، شياطين البحر، أبى فوق الشجرة"، معظم هذه الأفلام تقريبًا شاهدتها فى هذه السينما سواء كنت جالسًا على الأرض فى "الترسو" أو الصالة أو البالكون، بجانب أن "شبرا بالاس" كان لها الريادة والسبق بين دور عرض الأحياء الأخرى فى تقديم "بروجرام" متميز من الأفلام الهندى ذات المضمون السينمائى الراقى (طفل الخطيئة، ماسح الأحذية، سنجام)، قبل أن نتعرض لغزو أفلام أميتاب باتشان!، وسواء كان المنتج عربى أو هندي، كان لها تأثير كبير فى تفجير عواطفنا مبكرًا نحو الجنس الآخر، من خلال هذا الشعاع الساحر الذى يخرج من شباك صغير فى أعلى البلكون خلف المقاعد الأخيرة، لدرجة أننى طلبت من مدير السينما وصاحبها، بديع صبحي، والذى كان صديق والدى أن يسمح لى بالجلوس مع الموظف الذى يقوم بتشغيل ماكينة العرض، كنت أريد بخيال طفولى أن أتحقق من حكاية صديقى فى المدرسة الأبتدائية الذى أقنعنى أن الممثلين والممثلات يجلسون فى هذه الحجرة الغامضة، التى يتسلل منها الشعاع الملون! "أبى فوق الشجرة" أكثر فيلم شاهدته فى سينما (شبرا بالاس) فيلم (أبى فوق الشجرة) فى العرض الثانى بعد أن حقق نجاحًا غير مسبوق فى دار عرض





"ريفولي" وسينمات الدرجة الأولى فى وسط البلد، وبدأ عرضه فى دور العرض الدرجة الثانية أو سينما (الحي) بأحياء القاهرة المختلفة (وهبي) الحلمية الجديدة، (سهير) العباسية، (إيزيس) السيدة زينب، (شبر بالاس) شبرا، (الزيتون) الزيتون، وغيرها من عشرات دور العرض التى كانت تغطى كل أحياء القاهرة الشعبية، لدرجة أن كل حى كان به لا يقل عن 10 دور عرض، بين دور متخصصة فى عرض الأفلام العربي، وأخرى للأفلام الأجنبية، ولم يكن السوق حكرًا على الفيلم الأمريكي، شاهدنا المدارس المختلفة للسينما "فرنسية وإيطالية وروسية"، وبمناسبة "أبى فوق الشجرة" فقد شاهدته طفلًا أجلس على قدم أمى بين أخواتى وأبناء الجيران فى العمارة التى أعيش فيها، عندما كان الذهاب




للسينما ضمن برنامج النزهة الأسبوعية للعائ لات، وشاهدته مراهقًا، لم ينافسه فى عدد المشاهدة إلا فيلم "آلام المسيح" الذى كان يعرض سنويًا فى عيد 7 يناير، أو عيد الميلاد المجيد، كانت أسعار التذاكر فى دور العرض الدرجة الثانية 3 قروش للترسو تحت شاشة العرض، و5 قروش للصالة، و7 قروش للبلكون، وفى اللقاءات الكثيرة التى جمعتنى بالنجمة الكبيرة نبيلة عبيد فى كواليس تصوير البرامج التليفزيونية التى كنت أشارك فى إعدادها، حكت لى إن سينما "شبرا بالاس" التى كانت تسكن بجوارها، تعد السبب الرئيسى فى أن تعشق السينما وتتمنى أن تعمل بها، وتصبح ممثلة، وأن فى فترة مراهقتها وشبابها، لم تفوت فيلم تقريبًا فى هذه السينما لم تشاهده، وكثيرًا ما كانت تتخيل نفسها مكان البطلة فى الفيلم، وأنها شاهدت فى هذه السينما الأفلام الأولى فى مسيرة عبد الحليم حافظ السينمائية (أيام وليالي، يوم من عمري، حكاية حب) وغيرها، وأفلام النجمات الكبار فاتن حمامة (لا أنام، بين الأطلال، صراع فى الوادي، نهر الحب)، وإنها بعد مشاهدة كل فيلم كانت تقف فى حجرتها أمام المرأة تعيد تقديم دور البطلة، خاصة المشاهد المؤثرة!، وأذكر إنها عبرت لى عن غضبها عندما أخبرتها أن (شبرا بالاس) تم هدمها وتحولت إلى (سوبر ماركت)، نفس الغضب والانفعال من الفنانة مديحة يسرى التى حكت لى أثناء تسجيل مذكراتها (سمراء النيل) لقناة (نيل سينما)، إن وجدانها السينمائى تشكل فى سينما (شبرا بالاس) وسينما (دوللي)، والتى كانت تذهب إليهما أسبوعيًا بصحبة خالتها، وتعلقت بعشق السينما، لدرجة عندما عرض عليها المخرج محمد كريم أن تشارك فى مشهد فى فيلم للمطرب محمد عبد الوهاب لم تمانع ووافقت على الفور، رغم اعتراض أسرتها، وبسبب هذا المشهد الشهير فى فيلم (ممنوع الحب) أصبحت النجمة مديحة يسري. سينما النزهة الصيفي على المقابل الكاتب الصحفى والروائى محمد الشاذلي، عندما تبادلنا الذكريات عن علاقته بالسينما فى مقتبل شبابه ومراهقته وهل كان لها دور فى توجيه مساره الثقافي، وجدت عنده هو الآخر مخزون من الذكريات عن سينما (الحي)، يقول الشاذلي: «سينما الحى كانت عنصر الدهشة الأول فى حياتي, كانت سينما النزهة الصيفى فى شارع الترعة البولاقية قريبا من منزل شقيقتى فى شارع البطل عند الجامع الجهيني، وهى كانت قبل الجامع بخطوات، وكانت هذه السينما عالمى الأثير فى شارع الترعة، هى قطعا أغلقت الآن, وتحولت إلى أى شيء يصيب أى إنسان بالاكتئاب، ولا أحب حتى أن أعرف ما آلت إليه، لأنه حتما سوف يكسر سقف الحنين عندى ويتسبب فى انهيار مقاومة البغض واحتقار الجمال، كانت خطوط الدفاع كثيرة رغم قلة الإمكانيات، ساحة لرفع الحديد فى دوران شبرا، خرابات أو ما كنا نطلق عليه خرابات، نلعب فيها الكرة الشراب، والسينما، كانت السينما وسادة الحلم ومنصة المستقبل، أتذكر أننى شاهدت فى سينما النزهة أفلام (عنترة بن شداد, العنب المر، بطل للنهاية، اللص والكلاب، أدهم الشرقاوي)، كانت النزهة سينما حى وليست سينما درجة أولى، لم تكن تعرض الأفلام الجديدة، كانت تعرض الأفلام القديمة، 3 أفلام فى بروجرام واحد، بعدها نضجت الساق وتشجع القلب لأبتعد قليلا عن البيت لكى أذهب لسينما شبرا ودوللى وأرى سحرا جديدا، كل ذلك كان فى سنوات الستينيات، قبل أن تصل بى قدماى لركوب أتوبيس أنزل به وسط البلد لأول مرة فى العام 1969، أو فى بدايات العام 1970، حيث كانت السينما الأولى سينما ديانا، ذات المعمار الرائع الذى بهرنى فعلا، لكن تظل سينما الحى خطوة الجمال الأولى، واللقاء الأول مع الشاشة السحرية، وتلقى أشياء أخرى بعيدا عن التوجيه والتلقين المنزلى والمدرسي، والتماهى ولم نكن قطعا نعرف هذا اللفظ مع الشاشة, مأخوذين مسحورين، نعود إلى المنزل لنغلق الغرف علينا، وننتظر خروج الأهل، ونمسك بالمخدة القطن الطويلة نضربها باللكمات القوية كما يفعل فريد شوقى فى وجه محمود المليجي، أو نقبلها كما فعل رشدى أباظة مع شادية». ويمنحنا الكاتب الإذاعى المعروف فتحى عبدلله، صاحب عشرات المسلسلات الإذاعية الشهيرة والبرامج وأحد أهم كتاب البرنامج الصباحى المعروف «عائلة مرزوق»، بعدًا جديدًا فى «العزيمة»، علمنا قيمة لقمة العيش الشريفة وتأثير سينما الحى على الشباب فى مقتبل العمر، قائلًا: «طفولتنا وباكورة شبابنا فى خمسينيات وستينيات القرن الماضى عشناها مع كل الفنون، إذاعة وسينما ومسرح وبداية التليفزيون، فى المنزل نفرح بسماع بابا شارو وبرنامج الأطفال حيث القصص اللطيفة التى تدعو لحسن الخلق، ولم يكن يفوتنا أن نتابع المسلسلات وكانت خالية من ألوان البلطجة والعنف، وإذا تناولت حياة الفتوات وجدنا الفتوة يحمى أهل حارته ولا يستقوى على الضعفاء، وفى حى الدرب الأحمر مسرح طفولتى كانت بعض سينمات الدرجة الثالثة مثل سينما وهبى بالحلمية الجديدة وسينما الحلمية بشارع الحبانية وسينما محمد على الصيفية بسوق السلاح، وعلى مقربة من حينا كانت سينما أوليمبيا فى شارع عبدالعزيز بالعتبة، فى سينما الحى شاهدنا أفلاما علمتنا قيما جميلة، وتعاطفنا مع حسين صدقى فى كفاحه من أجل لقمة العيش بشرف فى فيلم (العزيمة)، وتعلمنا قيمة التفاؤل وعدم اليأس، عشنا طفولتنا مع فنون تقوم على أن الخير لابد وأن ينتصر على الشر فى النهاية أفلام فريد شوقي، تعلمنا الحب النظيف من أفلام عبد الحليم حافظ، كانت مرحلة المراهقة عاطفة شريفة نتاج طفولة تربت فى بيئة نظيفة غلفها الفن الجميل بخلق جميل، سينما الأحياء وعموم الفن زمان كل ذلك كان يعزز فينا الإنتماء منذ طفولتنا، وما أن نصل إلى المرحلة الثانوية نتسابق على كل ما يؤكد رجولتنا ووطنيتنا فنلتحق بالتدريب العسكرى ضمن كتائب الشباب، ولا ننسى ما صنعته السينما فى حياتنا، حتى أفلام إسماعيل يس فى الجيش والطيران والأسطول، تعتبر حياة مليئة بأجواء تخلو من عوامل الجنوح والإضرار بالمجتمع والذات». والبطل الأسطورى ويكثف المخرج السينمائى سيد عيسوى تجربته مع سينما (الحي) فى علاقته الذاتية مع دار عرض «على بابا».. ويقول: «ذلك الاسم الذى أرتبط فى ذهنى منذ طفولتى بالحلم الأسطورى والعالم الخيالى المستوحى من (ألف ليلة وليلة)، البطل الطيب الخير الذى يصادف معرفة الكنز الخبيئة، والداهية الماكر الذى يستطيع القبض على اللصوص الأربعين ووضعهم فى الجرة والقضاء عليهم، كلما مررت أمام سينما (على بابا) استحضرت بطلى الأسطورى الحالم وكأنه يقبع داخل دار العرض ويقف على بابها يدعونى للدخول كى أشاهد الأفلام التى استطاع أن يقتنصها ليعرضها على شاشته, وكلما دخلت إلى قاعة العرض الفريدة ذات القبة التى لم تكن فى أى دار عرض أخرى على الإطلاق، أتيقن من لمسته السحرية التى تركها على الشاشة وحضر خلطتها بنفسه, 4 عروض سينمائية بثمن تذكرة فيلما واحد, منها الأفلام الحديثة التى كانت تعرض للتو على الشاشات الأكبر والأغلى سعرا منذ أسبوعين أو ثلاثة، ومنها الأقدم المستمر عرضها مهما مر الزمن، وكان هذا سحرى لنا قبلما تصبح هناك قنوات للأفلام القديمة تعرض فيلما كل ساعتين على شاشتها, وقبل أن نمتلك جهاز الفيديو الذى نستطيع أن نشاهد من خلاله الأفلام فى أى وقت يناسبنا، أفلام سحرية تعرض على الشاشة الفضية وتأخذنا فى عوالمها لتطبع أثرها فى قلوبنا وعقولنا بثمن فيلم واحد فى أى دار أخرى، أذهب وأصدقائى وكلنا لهفة بعد أن جمعنا تلك القروش لندخل مغامرة العرض المستمر للأفلام فيلما تلو الآخر, لم تكن السينما لجيلى تجربة تستعرض الإمكانات والتقنيات الحديثة للعلم والتكنولوجيا والتفوق البصرى والسمعى للدار أو الفيلم, لكنها تجربة حياة نعيشها ونغوص فيها ونتفاعل مع شخوصها وننغمس مع أحداثها ونتوحد مع بطلها ونبكى ونضحك ونحبط وننتشى مع كل فعل سينمائى فى الفيلم المعروض، فى وقت كانت تمتلك السينما فيه نكهة خاصة, كنا نتعرف على الكتاب الكبار وعوالمهم وأفكارهم ورؤيتهم للعالم من خلال الشاشة، والتى أثرت فينا كجيل، ومنا من قرأ وأقترب لعوالم الثقافة المختلفة، ومنا من أكتفى بمتعة المشاهدة والتعرف من بعيد، وخلقت السينما فى وقتها طموحا حالم لجيلى ومفردات مهذبة لمفرداته وطريقة راقية لفكره وتعلقا لجمال أبطاله وبطلاته». تغب عقل الشباب المصري ورغم انتقاله للقاهرة بعد التهجير من السويس إلى القاهرة ليعيش تحديدًا فى منطقة ــ مصر الجديدة ــ يعتبر الإعلامى ممدوح موسى إن تأثير دور العرض السينمائى فى هذه المنطقة على مسار حياته كان كبيرًا هو وغيره، خاصة إن حى مصر الجديدة كان يضم توليفة متنوعة من دور العرض بين الصيفي، والقاعات التقليدية «نورماندي، روكسي، الهمبرا، الحرية» وغيرها، مما كان يمنح أبناء الحى إكتفاءًا ذاتيًا، بعدم الذهاب إلى دور عرض وسط البلد، والأهم إن السينما فى هذه الأيام كانت أحد أهم أسلحة الدولة المصرية فى مقاومة التطرف والأفكار الشاذة والغريبة عن المجتمع المصري، المعتدل فى أفكاره، والمتسامح بين أبناءه، ويعتبر موسى: «ظهور كثير من المتطرفين والأفكار المتشددة نتيجة طبيعية لاختفاء هذه الدور السينمائية فى ظروف غامضة، وتحويلها إلى محلات ومخازن تبيع الأحذية والملابس، بعد أن كانت تقدم المتعة والثقافة للشباب، لدرجة إن تردد فى أوساط المثقفين أن الهجمة التى تمت على دور العرض السينمائى الدرجة الثانية فى توقيت واحد متقارب كانت ضمن مخطط واسع، لتغيب عقل الشعب المصرى واستهداف الشباب المصري، من خلال نشر الأفكار المتشددة، خاصة إن تزامن مع هذه المرحلة تصاعد نبرة تحريم الفن والغناء والدعوى إلى اعتزال الفنانين والفنانات»، وقبل أن ينهى كلامه معى يطالب الدولة أن تنتبه لهذا المخطط الذى استمر لسنوات طويلة، وتحاول تصحيح الأوضاع ببناء دور عرض من جديد فى الأحياء، سلاح الفن فى معركتنا ضد الإرهاب والتطرف لا يقل أهمية عن الأسلحة التقليدية المتعارف عليها فى المعارك.

عدد المشاهدات 5706

الكلمات المتعلقة :