تحقيقات

المنتج الذى لم يتربح من الفن


  فاطمة خير تكتب:
3/7/2019 10:57:13 AM



ربما تتفاجئون لو تحدثت إليكم عن الفنان محمد عوض باعتباره رجل صناعة فى السينما والمسرح!، فقد عرفناه جميعاً كوميدياناً خفيف الظل، لم يحد عن لعب أدوار الكوميديا سوى نادراً، اللهم فى أفلام لا تُعَد على أصابع اليد الواحدة وأشهرها «المجرم» إنتاج 1978 وإخراج صلاح أبو سيف، لكن هل للفنان الراحل علاقة بصناعة السينما أو المسرح؟ نعم.. وبقوة.
نعرف محمد عوض الممثل، لكننا لا نعرف محمد عوض المنتج، الذي ساهم في السينما والمسرح بخوض مغامرة الإنتاج مرات كثيرة، نعم.. الإنتاج مغامرة في كل زمان، وليس كل فنان مضطر لخوضها، يمكن أن يكتفي بأداء دوره كممثل وحسب، ولكن للبعض أحلام أُخرى، ومنهم الراحل محمد عوض. فعل عوض ذلك بشجاعة، فقام بتأسيس شركات إنتاج "أفلام الوطن العربى"، و"أفلام الجزيرة "، و"كوميك فيلم" (شركة توزيع أفلام)، و"طيبة فيلم"، كما أنتج مسلسل (قلوب من بسكويت)، وقام بتوزيع كل أفلام شارلي شابلن. نعم.. هذا هو محمد عوض المنتج الذي لا يعرفه الكثيرين، الشاب البسيط ابن محافظة الشرقية المشهور أهلها بالكرم، المولود في حي العباسية المُشبع بالحيوية والعبق المصري في الوقت نفسه، لم يبخل على الفن بالأموال التي كسبها منه، كان يستغل طاقته بأشكال متنوعة وهو لا يزال طالباً ؛ وبالإضافة إلى المشاركة في فريق التمثيل بالمدرسة، فقد مارس هوايات عدة ساعدته على اكتساب مهارات متنوعة، وأورثته ظروفه الأسرية القدرة على تحمل المسئولية، فقد تولى مسئولية رعاية أخواته البنات بعد وفاة والديه مبكراً وهو لا يزال في المرحلة الثانوية، لذا فقد اكتسب القدرة على تحمل المسئولية و المجازفة، وساعده ذلك إلى جانب حبه المخلص للفن على ممارسة تجربة الإنتاج الفني بثقةٍ شديدة. وبدت قدرت محمد عوض على التأسيس والإدارة منذ كان طالباً جامعياً في كلية الآداب بجامعة القاهرة، والتي درس فيها الفلسفة (إلتحق بها عام 1957)، حيث أنشأ فرقةً مسرحية جامعية استطاعت تحقيق نجاح كبير بمسرحيات لعب بطولة بعضها نجمات المسرح المصري المحترفات،



مما شجع عوض على الالتحاق بالمعهد العالي للفنون المسرحية الذي تخرج فيه عام 1962؛ ليستمر نجاحه المبكر، ولم يثنه نجاحه المستمر سواء في السينما أو المسرح عن خوضه لتجربة الإنتاج، فلم يكفه حب الجمهور له منذ عرف صوته في شخصية "الأليط" في المسلسل الإذاعي الأكثر شهرة في فترة الخمسينات "ساعة لقلبك"، وحتى بعدما اشتهر وجهه بعد عرض مسرحية "جلفدان هانم" تليفزيونياً، والتي لعب فيها دور "عاطف الأشموني"، ونجح فيه نجاحاً مدوياً، شهرته المتصاعدة في الستينات، وتصدره لشباك التذاكر في سينما السبعينات، كل ذلك لم يُشبِع طموحه ولم يغنه عن القفز في سوق الإنتاج الفني. يحيلني ذلك إلى نجوم الزمن السابق، حيث كان الفنان يستثمر أمواله (إذا رغب في الاستثمار) في الفن أيضاً، لم يكن الفنان يختار تجارةً رائجة تضعه في مصاف الأثرياء، وربما أن الإنتاج الفني مربح، لكنه بالتأكيد لا يقارن بأفرع تجارية أُخرى فيما يخص المكسب المادي، وكذلك المخاطرة، فالفنان هنا يقامر بكل مايملك بالفعل: بفنه والذي هو رأسماله الأصلي.. وبماله الذي سيغنيه شر السؤال إذا جار عليه الزمن، لكن كما يقول المثل "الغاوي ينقط بطاقيته"، كان زمناً لا يختار فيه الممثل أن يتاجر بعيداً عن الفن طمعاً في النجاة مما تخبئه الأيام، كان ولاء الفنان للفن أولاً وأخيراً. أراد محمد عوض أن "يرد الجميل" للفن الذي منحه الثروة، منذ منحه وزير الإعلام والإرشاد القومي عبد القادر حاتم، أجراً بلغ 400 جنيه عن دوره في "جولفدان هانم" التي عُرِضَت لمدة شهر في مسرح التليفزيون، وكانت المرة الأولى التي تستمر مسرحية فيه لأكثر من 3 أو 4 أيام، واستمرت دائرة العطاء ما بين عوض والفن، ليتوجها بتجربة الإنتاج المتنوع، فلم ينتج لنفسه فقط، وإنما لغيره من الفنانين، فقد أنتج أعمالاً لم يشارك فيها، أتاحت استمرار نجاحات نجوم كبار، وقدمت آخرين إلى عالم النجومية،


واستطاع أن يخرج بتلك المسرحيات للعرض في الوطن العربي، وأمريكا وأوروبا واليابان! كل ذلك في الزمن الذي تخلت فيه الدولة عن دعم المسرح بسبب الانخراط في الاستعداد للحرب واستعادة سيناء، صحيح أن الرئيس الراحل جمال عبد الناصر قد أمر بتأجير مسرح الزمالك لعوض؛ دعماً لفرقته المسرحية الخاصة، ودافعاً لتحل الفرق الخاصة بديلاً عن مسرح التليفزيون، لكن عوض استطاع بذكائه وقدراته الإدارية والإنتاجية، أن يستثمر ذلك ويحوله لنجاح مسرحي كبير له ولغيره من الفنانين. ستظل ذكرى نجاح المسرحيات التي أنتجها عوض، دليلاً على دوره كمنتج، ومنها على سبيل المثال: "الطرطور، طبق سلطة، كلام رجالة، سفاح رغم أنفه، العبيط، أخلص زوج في العالم". ذاق محمد عوض "حلاوة" النجاح.. نجاح الممثل والمنتج، لكن كثيراً من أحلام كلٍ منهما رحل معه.

عدد المشاهدات 753

الكلمات المتعلقة :