تحقيقات

خالد محمود يفتح خزينة الذكريات ..

تسجيلات تنشر لأول مرة فى مشوار النجم الأسمر


  خالد محمود يكتب:
3/25/2019 10:14:44 AM



مرات قليلة تلك التي كنت أسأل أنا فيها وهو يجيب.. حيث كان يفضل هو أن يسأل ويجيب أيضا.. وكأنه كان يريد أن يتخلص من هموم تساؤلات تفور ذاتيا بداخله حول ماضيه وواقعه.. حاضره ومستقبله. كان لقائي مع النجم أحمد زكى ممتد على فترات، لكنها تشكل شهادة لفنان وعصر ونمط حياة، إحدى ضواحي حلوان عندما كان يصور مشهد الحفر بالجبل بفيلم «أيام السادات « دار بيننا حوارا طويلا حول المستقبل وكيف عانى إنتاجيا فى هذا الفيلم.. واتذكر ايضا آخر مؤتمر صحفى له وهو يتحدث عن فيلم «حليم» مرتديا «بدلة سمراء» يبدو منهكا، صوته خافت ليقول «اخيرا تحقق الحلم.. تذكرت لحظة دخوله المستشفى عقب عودته من باريس وانا اقف ساعات امام غرفته اترقب اخبار طيبة واسمع من الأطباء حكايات عن نجم يرفض الالم.

«حليم»


شهادات كثيرة ربما ابدأها من فيلم «حليم» والى اى مدى كان بداخله مزيج من الإبداع والقلق قبل خوض مشروع الفيلم الذى فجر فينا مشاعر واحلام، آهات وشجون، عملاقين هما بحق تاريخ لا ينسى.. حليم الصورة والأصل. لم أشاهد على أرض الواقع تشييع جنازة العندليب الأسمر عبدالحليم حافظ المهيبة كنت حينئذ فى المرحلة الإعدادية وأتذكر صراخ مدرس اللغة العربية وهو يقول لنا فى الفصل «عبدالحليم مات»، وتركنا وخرج.. شعرت بإحساس غريب بأننا فقدنا عزيزا لدينا، لكننى حضرت وشهدت جنازة النمر الأسود أحمد زكى. حينها أدركت معنى «جنازة مهيبة»، وكانت بحق كذلك. فلم أتصور كل هذا الحب للنجم الذى أظهر مشهد الرحيل مدى العشق الجماهيرى الكبير، وكشف عن لحظة ندم حقيقية هى أن التاريخ لم ينصفه فى حياته ولم يعطه حقه. وقفت أمام المسجد بميدان مصطفى محمود بمنطقة المهندسين أراقب الدموع فى عيون المودعين بسطاء ونجوما، أراقب قيمة الفنان فى همسات وكلمات وصراخ ودعاء. وسار الموكب إلى مدافن 6 أكتوبر، وفى الطريق مر شريط طويل أمامى.. تذكرت كم كان أحمد زكى مصرا على مواصلة المشوار، رغم الأشواك التى تراكمت أمام كل خطوة يخطوها. وكان التحدى الأعظم هو تقديمه لفيلم سينمائى يرى فيه نفسه ومشواره وتحديه الزمن. فيلم يرصد قصة كفاح من القاع إلى القمة.. يروى حكاية إنسان فقير، يتيم، بسيط، لكنه يمتلك الموهبة العظيمة التى تؤهله للوصول إلى أعلى القمة، وكان هذا الفيلم هو «حليم».

«صدمة»

عندما قرر الفتى الأسمر البدء فى خوض التجربة عمليا بعد سنوات من الإعداد والتجارب والتقمص فى روح وشكل عبدالحليم حافظ. كانت ملامح المرض قد ظهرت بوادرها على وجهه لكنها لم تخترق بعد بعض أجزاء جسده. كان يشعر بأن هناك شيئا غير طبيعى هذه المرة فى النزلة الشعبية التى أتته فيما بعد وسيطرت عليه وكشفت جزءا من المستور اللعين الدفين، لم يكن يتوقع ان هذه النزلة ستهاجمه بشراسة. لكن الموقف اضطره هذه المرة للذهاب إلى المستشفى، وهناك اكتشف الحقيقة الصادمة لمرضه، لكن كان أحمد زكى عنيدا ومقاوما حتى عندما سافر إلى باريس والتقى الطبيب الفرنسى الذى كان يعالج العندليب قال له: «انت رجل قوى مثل حليم». وكانت الجملة بمثابة بردا وسلاما على الخوف الذى انتاب أحمد زكى من عدم تحقيق حلمه، فلم يكن «حليم» مجرد حلم عنده، بل حياة تعكس مرآتها رحلة شقاء وألم وصمود وإصرار ونجاح، وتدوى فى ساحتها صرخة آهاته التى ظلت دفينة طوال المشوار بل كان زكى ينتظر نهاية الفيلم وليلة العرض ليخفق قلبه من جديد فى محطة هى كل الرحلة، وأن يرى نفسه وقد تخطى عقبة جديدة من بين تلك العقبات التى كان يراوغه بها الزمن من حين لآخر، وشعر الجميع أن بداخله رغبة قوية فى خروج العمل كاملا. وفجأة توقف الزمن عند مشهد ليل خارجى يبدو فيه «حليم» متأثرا بمعجبيه فى رحلة النجاح ومتأثرا أيضا بزحف الآلام على جسده، المشهد استغرق تصويره ساعة ونصف الساعة تغلب فيها أحمد على آلامه ليظهر عكس ما يشعر به لكن كانت هذه بداية الأزمة الصحية الكبيرة، وصاح المخرج ستوب وذهب «حليم» إلى المستشفى فى رحلة ليس لها عنوان. وسمعت أن أحمد زكى طلب من منتج الفيلم فى حالة وفاته قبل انتهاء التصوير أن يشير على المخرج شريف عرفة بتصوير جنازته وأن يضعها فى أحداث الفيلم، لكن هذه المقولة لم تؤكد. وقال لى المخرج شريف عرفة إن المرحلة الأصعب فى الفيلم كانت ظروف أحمد زكى ومرضه. فقد تعبنا كثيرا لكن الشىء الغريب هو أن أحمد كان مصرا على العمل واستكماله ويصور ساعات طويلة وكأنه كان يشعر بأنها النهاية، وكانت آخر لقطة له هى بالفعل آخر مشهد له عكس ما قيل بأن هناك مشاهد ناقصة وتم استكمالها بشكل آخر. واقع الأمر أن الإعلامى عماد الدين أديب رئيس الشركة المنتجة بدا وكأنه أكثر المتحمسين لخروج الفيلم إلى النور وعرضه على المستوى العالمى تلبيه لرغبة بطله وقال «كانت أمنية الفنان أحمد زكى أن يذهب فيلم «حليم» بعد انتصاره للعرض فى المهرجانات الدولية، وبالفعل عرض الفيلم على شاشة مهرجان كان وسط تصفيق حاد لنجمه الذى كان حاضرا داخل الشاشة وفى قلوب مشاهديه». وفى العرض الخاص للفيلم بدار الاوبرا قال اديب ايضا ان (حليم) ليس مجرد فيلم سينمائي بقدر ما هو «قصة وفاء وتعبير عن تقدير لأخ كبير عاشق للسينما هو أحمد زكي اهم ابناء جيله.» وفى نفس الليلة نفى هيثم أحمد زكي الذي الذى جسد حليم فى فترة شبابه ان يكون احد قد استغل والده لانتاج الفيلم على حساب صحته وحياته مشيرا الى ان دور عبد الحليم «(كان) حلم حياته».


«إرادة»

كانت إرادة فريق العمل مستمدة من ارادة زكى نفسه لمواصلة العمل، الطبيب الفرنسى الشهير الدكتور شيفاليه نفسه قال: الرجل ده بره كتاب الطب بما يفعله. وخرج فيلم «حليم» إلى النور، كان أول عرض خاص فى المسرح الكبير بدار الاوبرا، ووقف عماد اديب طالبا من الصحافة الترفق بالنجم الراحل والتعامل مع الفيلم باعتباره آخر ابداعاته فى فن التمثيل. بينما تماسك هيثم أحمد زكى بهدوئه المعتاد ليؤكد أن والده قدم فيلم «حليم» بإرادته ولم يجبره أحد على ذلك، لقد كان حلما له سعى لتحقيقه وهو يتحدى السرطان اللعين. هناك شخصيات فى حياتك تبقى معك حتى نهاية المشوار وتؤثر فيك إلى الأبد، وأحمد زكى من هذه النوعية من البشر إذا دخل حياتك لا يمكن أن يخرج منها حتى بعد وفاته. تذكرت هذا اليوم الأخر الذي كنا‏‏ فيه في‏ ‏جامعة‏ ‏المنيا‏, ‏حيث‏ ‏قرر‏ ‏تلبية‏ ‏دعوة‏ ‏طلابها‏ ‏وأساتذتها‏ ‏بحضور‏ ‏عرض‏ ‏فيلم « ‏أيام‏ ‏السادات‏».. ‏وإقامة‏ ‏لقاء‏ ‏يتحاور‏ ‏فيه‏ ‏مع‏ ‏الشباب. ‏كنت‏ ‏أجلس‏ ‏بجانبه‏ ‏في‏ ‏صالة‏ ‏العرض‏.. ‏في‏ ‏لحظة‏ ‏ما‏ ‏طلب‏ ‏مني‏ ‏الخروج‏ ‏معه‏. ‏شعرت‏ ‏بالقلق‏ ‏وسألته‏.. ‏هل‏ ‏حدث‏ ‏شيء‏.. ‏قال‏: ‏هذا‏ ‏المشهد‏ ‏لا‏ ‏أريد‏ ‏أن‏ ‏أراه‏ ‏الآن‏.. ‏فكلما‏ ‏شاهدته‏ ‏شعرت‏ ‏بقشعريرة‏.. ‏ولم‏ ‏أتمالك‏ ‏دموعي‏.. ‏فقد‏ ‏كان‏ ‏موقفا‏ ‏صعبا‏.. ‏ولم‏ ‏يخبرني‏ ‏ما‏ ‏هو ‏‏المشهد‏.. ‏لكنني‏ ‏عرفته‏ ‏فيما‏ ‏بعد»‏.‏ خارج‏ ‏القاعة‏ ‏طلب‏ ‏أن‏ ‏يشرب‏ ‏كوبا‏ ‏من‏ ‏الشاي‏ ‏الثقيل‏ ‏وذهبنا‏ ‏مع‏ ‏عامل‏ ‏البوفيه‏ ‏وجلسنا‏ ‏في‏ ‏مكانه‏ ‏الضيق‏ ‏حسب‏ ‏رغبته‏.‏

«3 مشاهد»

‏‏في‏ ‏رأيك‏ ‏ما‏ ‏أهم‏ ‏ثلاثة‏ ‏مشاهد‏ ‏وقفت‏ ‏إنت‏ ‏عندها‏ ‏بالنسبة‏ ‏لي؟ ‏‏سألني‏ ‏الفنان‏ ‏أحمد‏ ‏زكي‏.. ‏وكانت‏ ‏مفاجأة‏ ‏لي‏.. ‏صمت‏ ‏لثوان‏ ‏ثم‏ ‏ابتسمت‏ ‏وقلت‏ ‏له‏ ‏هناك‏ ‏مشاهد‏ ‏كثيرة‏ ‏وصل‏ ‏فيها‏ ‏الأداء‏ ‏لحد‏ ‏العبقرية‏.. ‏تفوقت‏ ‏فيها‏ ‏علي‏ ‏نفسك‏ ‏يا‏ ‏أستاذ‏.. ‏ثم‏ ‏لماذا‏ ‏ثلاثة‏ ‏مشاهد؟‏.. ‏سألته‏ ‏مستفسرا‏.. ‏فقال‏ ‏لكي‏ ‏أسهل‏ ‏عليك‏ ‏الموضوع‏.. ‏أنا‏ ‏شخصيا‏ ‏لدي‏ ‏إحساس‏ ‏ببعض‏ ‏المشاهد‏ ‏التي‏ ‏تعبتنى وأرهقتني‏ ‏في‏ ‏آخر‏ ‏أعمالي‏.‏ حاولت‏ ‏بفضولي‏ ‏الصحفي‏ ‏أن‏ ‏أستدرجه‏ ‏وأجعله‏ ‏يجيب‏ ‏وقلت‏ ‏له‏ : ‏أنا‏ ‏بسمعك‏ ‏يا‏ ‏أستاذ‏.. ‏لكنه‏ ‏ألح‏.. ‏فقلت‏ ‏له‏ ‏إذن‏ ‏سأقول‏ ‏ما‏ ‏شعرت‏ ‏به‏ ‏من‏ ‏بعض‏ ‏المشاهد‏ ‏وأنت‏ ‏تعلق‏ ‏عليها‏.‏ وقلت‏ ‏له‏ ‏بصراحة‏.. ‏أنا‏ ‏كنت‏ ‏شديد‏ ‏الانبهار‏ ‏بمشهد‏ ‏خطبة‏ ‏الأزهر‏ ‏في‏ ‏فيلم‏ «‏ناصر‏ 56».. ‏كنت‏ ‏أري‏ ‏تعبيرات‏ ‏مهمة‏ ‏بعينيك‏.. ‏عينيك‏ ‏كانت‏ ‏زائغة‏ ‏تنظر‏ ‏للعالم‏ ‏كله‏ ‏عبر‏ ‏الكاميرا‏.. ‏كانت‏ ‏كأنها‏ ‏لا‏ ‏تخاطب‏ ‏الجمع‏ ‏الذي‏ ‏يجلس‏ ‏أمامك‏ ‏في‏ ‏ساحة‏ ‏مسجد‏ ‏الأزهر‏.. ‏وخاصة‏ ‏وأنت‏ ‏تقول‏ ‏الله‏ ‏أكبر‏.. ‏الله‏ ‏أكبر‏.‏ كان‏ ‏المشهد‏ ‏بحق‏ ‏مهولا‏.. ‏مستنفرا‏ ‏مليئا‏ ‏بالمشاعر‏ ‏بداخله‏ ‏نبرة‏ ‏الصوت‏ ‏ضعف‏ ‏وقوة‏.. ‏شعور‏ ‏لا‏ ‏يوصف‏ ‏لاستلهام‏ ‏المجتمع‏ ‏كله‏ ‏للدفاع‏ ‏عن‏ ‏مصر‏ ‏الكبيرة‏.‏ بل‏ ‏إنني‏ ‏أكاد‏ ‏أحفظ‏ ‏هذا‏ ‏المشهد‏ ‏المحفور‏ ‏في‏ ‏ذاكرة‏ ‏شريط‏ ‏سينمائي‏ ‏وفي‏ ‏وجدان‏ ‏كل‏ ‏من‏ ‏شهد‏ ‏الفيلم‏.‏ هنا‏ ‏قال‏ ‏أحمد‏ ‏زكي‏ : ‏عندك‏ ‏حق‏ ‏كان‏ ‏مشهدا‏ ‏صعبا‏ ‏جدا‏.. ‏مشهد‏ ‏الفيلم‏ ‏كله‏.. ‏قبل‏ ‏تصوير‏ ‏هذا‏ ‏المشهد‏ ‏كان‏ ‏بداخلي‏ ‏حيرة‏.. ‏مثل‏ ‏شخصية‏ ‏ناصر‏ ‏تماما‏.. ‏فإما‏ ‏أن‏ ‏يكون‏ ‏أو‏ ‏لا‏ ‏يكون‏.. ‏جلست‏ ‏بمفردي‏ ‏ساعات‏ ‏طويلة‏ ‏أسأل‏.. ‏كيف‏ ‏أواجه‏ ‏هذا‏ ‏المشهد‏ ‏الصعب‏.. ‏وقبل‏ ‏أن‏ ‏أصعد‏ ‏علي‏ ‏المنبر‏ ‏بثوان‏ ‏شعرت‏ ‏أني‏ ‏نسيت‏ ‏الكلام‏.. ‏وفور‏ ‏أن‏ ‏دارت‏ ‏الكاميرا‏ ‏صمت‏ ‏لثوان‏ ‏ثم‏ ‏وجهت‏ ‏خطابي‏ ‏للأمة‏.. ‏أقصد‏ ‏خطاب‏ ‏ناصر‏.‏ وهنا‏ ‏وجدت‏ ‏أحمد‏ ‏زكي‏ ‏الفنان‏ ‏يعيد‏ ‏إلقاء‏ ‏المشهد‏ ‏بحذافيره‏:‏ في‏ ‏هذه‏ ‏الأيام‏ ‏التي‏ ‏نكافح‏ ‏فيها‏ ‏من‏ ‏أجل‏ ‏حريتنا‏.. ‏حرية‏ ‏شعب‏ ‏مصر‏ ‏ومن‏ ‏أجل‏ ‏شرف‏ ‏الوطن‏.. ‏إن‏ ‏مصر‏ ‏كانت‏ ‏دائما‏ ‏مقبرة‏ ‏للغزاة‏ ‏لجميع‏ ‏الإمبراطوريات‏ ‏التي‏ ‏مرت‏ ‏عليها‏ ‏علي‏ ‏مر‏ ‏الزمن‏.. ‏وانتهت‏ ‏الإمبراطوريات‏ ‏وبقيت‏ ‏مصر‏ ‏وبقي‏ ‏شعب‏ ‏مصر‏.. ‏اليوم‏ ‏ونحن‏ ‏نقاوم‏ ‏عدوان‏ ‏الظلم‏ ‏والاستعمار‏ ‏الذي‏ ‏يريد‏ ‏أن‏ ‏ينتهك‏ ‏حريتنا‏ ‏وإنسانيتنا‏ ‏وكرامتنا‏, ‏ونحن‏ ‏نقاوم‏ ‏هذا‏ ‏العدوان‏ ‏إنما‏ ‏نطلب‏ ‏من‏ ‏الله‏ ‏أن‏ ‏يلهمنا‏ ‏الصبر‏ ‏والإيمان‏ ‏والثقة‏ ‏والعزم‏ ‏والتصميم‏ ‏علي‏ ‏القتال‏.‏ إن‏ ‏الموت‏ ‏حق‏ ‏علي‏ ‏كل‏ ‏فرد‏ ‏منا‏، ‏ولكن‏ ‏إذا‏ ‏متنا‏ ‏يجب‏ ‏أن‏ ‏نموت‏ ‏بشرف‏.. ‏العمر‏ ‏بيد‏ ‏الله‏.. ‏ما‏ ‏حدش‏ ‏يقدر‏ ‏يغير‏ ‏من‏ ‏أجله‏.. ‏أنا‏ ‏معاكم‏ ‏في‏ ‏القاهرة‏ ‏ولادي‏ ‏معكم‏ ‏ما‏ ‏طلعتش‏ ‏بره‏ ‏يبني‏ ‏بلدنا‏.. ‏تاريخنا‏ .. ‏مستقبلنا‏ ‏النهاردة‏.. ‏شعارنا‏ ‏دائما‏ ‏الله‏ ‏يقوينا‏.. ‏بنجاهد‏ ‏وسننتصر‏.. ‏الله‏ ‏أكبر‏.. ‏الله‏ ‏أكبر‏. وهنا‏ ‏يشير‏ ‏أحمد‏ ‏زكي‏ ‏إلي‏ ‏أهمية‏ ‏الموسيقي‏ ‏التصويرية‏ ‏في‏ ‏وصول‏ ‏المشهد‏ ‏بالصورة‏ ‏الدرامية‏ ‏إلي‏ ‏المشاهد‏ ‏وقال‏: ‏إن‏ ‏ياسر‏ ‏عبدالرحمن‏ ‏متميز‏ ‏جدا‏ ‏في‏ ‏الموسيقي‏ ‏التصويرية‏.. ‏وأنا‏ ‏اعتبره‏ ‏موسيقارا‏ ‏وأعتبر‏ ‏أن‏ ‏الموسيقي‏ ‏التصويرية‏ ‏سيناريو‏.. ‏وقد‏ ‏قدم‏ ‏معي‏ ‏ياسر‏ ‏في‏ ‏بداية‏ ‏حياته‏ ‏فيلمي‏ ‏الإمبراطور‏.. ‏ثم‏ ‏الباشا‏ ‏وأيضا‏ ‏أيام‏ ‏السادات‏.‏


«المشهد الثانى»

‏ ‏المشهد‏ ‏الثاني‏ ‏والذي‏ ‏لا‏ ‏ينساه‏ ‏الفنان‏ ‏أحمد‏ ‏زكي‏.. ‏ولا‏ ‏أنا‏ ‏هو‏ ‏مشهد‏ ‏خطاب‏ ‏الكنيست‏ ‏في‏ ‏فيلم‏ ‏أيام‏ ‏السادات‏ ‏كان‏ ‏بحق‏ ‏صعبا‏ ‏للغاية‏، ‏وكان‏ ‏هناك‏ ‏رأي‏ ‏بأن‏ ‏يتم‏ ‏أخذ‏ ‏المشهد‏ ‏الحقيقي‏ ‏ليأس‏ ‏السادات‏ ‏نفسه‏ ‏ـ‏ ‏بخطابه‏ ‏الشهير‏ ‏ـ‏ ‏وذلك‏ ‏نظرا‏ ‏لأن‏ ‏الكنيست‏ ‏كان‏ ‏مليئا‏ ‏بحضور‏ ‏السياسي‏ ‏الكبير‏، ‏ولابد‏ ‏من‏ ‏ظهور‏ ‏تلك‏ ‏الشخصيات‏ ‏في‏ ‏المشهد‏, ‏لكن‏ ‏الفنان‏ ‏أحمد‏ ‏زكي‏ ‏اختفي‏ ‏ثلاثة‏ ‏أيام‏ ‏وانعزل‏ ‏بمفرده‏ ‏وأحضر‏ ‏شريط‏ ‏خطاب‏ ‏الكنيست‏ ‏وظل‏ ‏يشاهده‏ ‏عشرات‏ ‏المرات‏.. ‏ثم‏ ‏ذهب‏ ‏لمحمد‏ ‏خان‏، ‏قال‏ ‏له‏ ‏سأصور‏ ‏المشهد‏ ‏بنفسي‏.. ‏أحمد‏ ‏وقف‏ ‏كثيرا‏ ‏أمام‏ ‏المرآة‏ ‏وعمل‏ ‏المشهد‏ ‏وحفظه‏ ‏عن‏ ‏ظهر‏ ‏قلب‏.‏ وقال‏ : ‏كانت‏ ‏لحظة‏ ‏صعبة‏ ‏وفارقة‏.. ‏فتلك‏ ‏الخطبة‏ ‏كان‏ ‏العالم‏ ‏كله‏ ‏يشهدها‏، ‏وكان‏ ‏استحضارها‏ ‏صعبا‏، ‏بل‏ ‏وكان‏ ‏الذهاب‏ ‏لإسرائيل‏ ‏ـ‏ ‏حتي‏ ‏في‏ ‏السينما‏.. ‏أمرا‏ ‏مزعجا‏ ‏مع‏ ‏مجتمع‏ ‏لا‏ ‏يحترم‏ ‏كلمته‏.‏ وهنا‏ ‏سألته‏: ‏أي‏ ‏منطقة‏ ‏في‏ ‏هذا‏ ‏المشهد‏ ‏الطويل‏ ‏كانت‏ ‏صعبة‏ ‏في‏ ‏الأداء‏.. ‏فقال‏ : ‏كان‏ ‏الجزء‏ ‏الأخير‏ ‏منه‏ ‏حيث‏ ‏تفاقمت‏ ‏المشاعر‏ ‏والأحاسيس‏.. ‏أمسكت‏ ‏بالمنديل‏ ‏ومسحت‏ ‏عرقي‏.. ‏حاولت‏ ‏أن‏ ‏أواصل‏ ‏المشهد‏ ‏علي‏ ‏شوط‏ ‏واحد‏.. ‏وللمرة‏ ‏الثانية‏ ‏يفاجئني‏ ‏أحمد‏ ‏زكي‏ ‏بحفظه‏ ‏للخطاب‏.‏ ونظر‏ ‏إلي‏ ‏جهاز‏ ‏الكاسيت‏ ‏وقال‏ ‏لي‏ ‏أنت‏ ‏بتسجل‏.. ‏فقلت‏ ‏نعم‏.. ‏فانخرط‏ ‏في‏ ‏الأداء‏.. ‏وعاد‏ ‏بالزمن‏ ‏لمشهد‏ ‏كان‏ ‏به‏ ‏أكثر‏ ‏من‏ ‏رحلة‏ ‏حسية‏ ‏في‏ ‏الأداء‏.. ‏قال‏ ‏أحمد‏ ‏زكي‏ ‏وعلامات‏ ‏الفخر‏ ‏تبدو‏ ‏علي‏ ‏وجهه‏.. ‏السلام‏ ‏لنا‏ ‏جميعا‏ ‏بإذن‏ ‏الله‏.. ‏لقد‏ ‏جئت‏ ‏اليوم‏ ‏علي‏ ‏قدمين‏ ‏ثابتتين‏ ‏لكي‏ ‏نبني‏ ‏حياة‏ ‏جديدة‏، ‏لكي‏ ‏نقيم‏ ‏السلام‏ ‏وكلنا‏ ‏علي‏ ‏هذه‏ ‏الأرض‏.. ‏أرض‏ ‏الله‏.. ‏كلنا‏ ‏مسلمون‏ ‏ومسيحيون‏ ‏ويهود‏.. ‏نعبد‏ ‏الله‏ ‏ولا‏ ‏نشرك‏ ‏به‏ ‏أحدا‏.. ‏وتعليم‏ ‏الله‏ ‏ووصاياه‏ ‏هي‏ ‏حب‏ ‏وصدق‏ ‏وطهارة‏ ‏وسلام‏.‏ صمت‏ ‏أحمد‏ ‏زكي‏.. ‏وصفقت‏ ‏أنا‏.. ‏لأن‏ ‏شريط‏ ‏الصورة‏ ‏قد‏ ‏مر‏ ‏أمامي‏.. ‏كيف‏ ‏تباينت‏ ‏انفعالات‏ ‏أحمد‏ ‏زكي‏ ‏من‏ ‏جملة‏ ‏إلي‏ ‏جملة‏ ‏ومن‏ ‏إحساس‏ ‏إلي‏ ‏احساس‏ ‏ومن‏ ‏طريقة‏ ‏أداء‏ ‏إلي‏ ‏أخري‏.. ‏متي‏ ‏كان‏ ‏ينظر‏ ‏للأمام‏ ‏ومتي‏ ‏كان‏ ‏يخفي‏ ‏عينيه‏.. ‏إنها‏ ‏محطة‏ ‏مهمة‏ ‏في‏ ‏رحلة‏ ‏النمر‏‏الأسود‏.. ‏مع‏ ‏التمثيل‏.‏ قال‏ ‏لي‏ ‏أحمد‏ ‏زكي‏: ‏كانت‏ ‏هناك‏ ‏ولادة‏ ‏متعثرة‏.. ‏كان‏ ‏بها‏ ‏آلام‏ ‏كثيرة‏.. ‏وكان‏ ‏أملنا‏ ‏أن‏ ‏المولود‏ ‏ما‏ ‏يطلعش‏ ‏مشوه‏.. ‏والحمد‏ ‏لله‏ ‏الجنين‏ ‏طلع‏ ‏مش‏ ‏بطال‏.‏ نحن‏ ‏نخدم‏ ‏عليه‏ ‏ونربيه‏ ‏ونطلعه‏ ‏للناس‏ ‏كويس‏.. ‏المهم‏ ‏هو‏ ‏النتيجة‏.‏ الحقيقة‏ ‏هناك‏ ‏دائرة‏ ‏عصبية‏ ‏في‏ ‏جسمي‏ ‏لو‏ ‏قطعت‏ ‏بأقول‏ ‏ستوب‏.. ‏عايز‏ ‏أعمل‏ ‏المشهد‏ ‏ثاني‏.. ‏وكل‏ ‏من‏ ‏حولي‏ ‏كان‏ ‏يستغرب‏ ‏ويندهش‏ ‏ويصدم‏ ‏ويقولون‏.. ‏طب‏ ‏ما‏ ‏أنت‏ ‏ماشي‏ ‏كويس‏.. ‏وأقول‏ ‏بس‏ ‏الصدمة‏ ‏بتاعة‏ ‏الكهرباء‏ ‏هديت‏.. ‏تأثيرها‏ ‏لسه‏ ‏قدامكوا‏ ‏باين‏ ‏بس‏ ‏أنا‏ ‏بقيت‏ ‏بره‏.‏ الحقيقة‏ ‏المشهد‏ ‏لم‏ ‏يجعلني‏ ‏أنام‏.. ‏الفنان‏ ‏بيبقي‏ ‏عايز‏ ‏مجهوده‏ ‏يروح‏ ‏للناس‏.. ‏كنت‏ ‏عايز‏ ‏فيلمي‏ ‏يوصل‏.‏


«رحلة المرض»

كان‏ ‏الوهن‏ ‏يبدو‏ ‏علي‏ ‏نجمنا‏.. ‏ربما‏ ‏إرهاق‏، ‏لكنه‏ ‏سرعان‏ ‏ما‏ ‏لمح‏ ‏السؤال‏ ‏بيني‏ ‏فقال‏ ‏لي‏ : ‏أنا‏ ‏شلت‏ ‏المرارة‏ ‏ونصف‏ ‏الكبد‏.. ‏عارف‏ ‏ايه‏ ‏اللي‏ ‏يضبطني‏.. ‏العمل‏.. ‏أنا‏ ‏صحتي‏ ‏بتتوزن‏ ‏مع‏ ‏الفن‏.. ‏نفسي‏ ‏ييجي‏ ‏فيلم‏ ‏بطله‏ ‏واحد‏ ‏صحته‏ ‏حلوة‏ ‏علشان‏ ‏أعمل‏ ‏رياضة‏ ‏وانتبه‏ ‏لنفسي‏.. ‏نفسي‏ ‏أروح‏ ‏مكان‏ ‏أمشي‏ ‏فيه‏ ‏حافي‏ ‏وأترك‏ ‏لحيتي‏ ‏وارتدي‏ ‏شورت‏ ‏وأنزل‏ ‏الميه‏.. ‏فدماغي‏ ‏شغالة‏ ‏طول‏ ‏الوقت‏ ‏عايز‏.. ‏ماعرفش‏!!‏ قبل‏ ‏أن‏ ‏نستكمل‏ ‏معا‏ ‏أهم‏ ‏مشهد‏ ‏لأحمد‏ ‏زكي‏ ‏أمام‏ ‏الكاميرا‏ ‏كان‏ ‏هناك‏ ‏سؤال‏ ‏ملح‏ ‏أردت‏ ‏أن‏ ‏اسأله‏.. ‏شعرت‏ ‏انك‏ ‏في‏ ‏بداياتك‏ ‏واجهت‏ ‏ظلما‏ ، ‏وقال‏ ‏نعم‏ ‏كان‏ ‏ذلك‏ ‏في‏ ‏بداية‏ ‏حياتي‏.. ‏وفي‏ ‏دخولي‏ ‏المعهد‏ ‏وفي‏ ‏بداية‏ ‏اقتحامي‏ ‏في‏ ‏عالم‏ ‏الفن‏ ‏قابلت‏ ‏صعوبات‏ ‏كثيرة‏، ‏وكان‏ ‏علي‏ ‏أن‏ ‏أقاوم‏ ‏الإنسان‏ ‏لازم‏ ‏يقاوم‏ ‏طالما‏ ‏بيحب‏ ‏حاجة‏ ‏ليصل‏ ‏إلي‏ ‏هدفه‏.‏ وسرح‏ ‏أحمد‏ ‏زكي‏.. ‏عاد‏ ‏بالذاكرة‏ ‏وتنهد‏.. ‏وقال‏: ‏سأحكي‏ ‏لك‏ ‏علي‏ ‏حاجة‏ ‏مدهشة‏.. ‏في‏ ‏يوم‏ ‏من‏ ‏الأيام‏ ‏رفضوني‏ ‏في‏ ‏حوالي‏ ‏خمسة‏ ‏أفلام‏.. ‏كنت‏ ‏تقريبا‏ ‏وقعت‏ ‏علي‏ ‏عقودها‏.. ‏منها‏ ‏أفلام‏ ‏اتشلت‏ ‏منها‏ ‏قبل‏ ‏التصوير‏ ‏بيوم‏، ‏حيث‏ ‏كان‏ ‏هناك‏ ‏موزع‏ ‏كبير‏ ‏مسيطر‏ ‏علي‏ ‏السينما‏ ‏المصرية‏ ‏ويحدد‏ ‏من‏ ‏يصعد‏ ‏ومن‏ ‏لا‏.. ‏والجديد‏ ‏أنني‏ ‏عند‏ ‏أول‏ ‏وقوفي‏ ‏علي‏ ‏السلم‏ ‏في‏ ‏برنامج‏ ‏تليفزيوني‏ ‏شهير‏.. ‏قالوا‏ ‏لي‏ ‏تحب‏ ‏تبعت‏ ‏تليغراف‏ ‏لمين‏.. ‏قلت‏ ‏ابعت‏ ‏رسالة‏ ‏لمن‏ ‏رفضوني‏ ‏وأقول‏ ‏لهم‏ ‏فيها‏ ‏أشكركم‏ ‏لأنكم‏ ‏رفضتوني‏ ‏في‏ ‏بداية‏ ‏الطريق‏ ‏علشان‏ ‏شكلي‏ ‏ما‏ ‏كنش‏ ‏عاجبكم‏.. ‏وعلشان‏ ‏عايزين‏ ‏نجم‏ ‏مش‏ ‏واحد‏ ‏جديد‏ ‏شكله‏ ‏لم‏ ‏يعجبهم‏ ‏مثلي‏.. ‏كانوا‏ ‏يرفضونني‏ ‏من‏ ‏أجل‏ ‏أشياء‏ ‏ليس‏ ‏لها‏ ‏علاقة‏ ‏بالفن‏.. ‏يا‏ ‏شكلي‏ ‏مش‏ ‏عاجبهم‏.. ‏يا‏ ‏اما‏ ‏اسمك‏ ‏مش‏ ‏معروف‏.. ‏لا‏ ‏يهمهم‏ ‏تصلح‏ ‏للدور‏ ‏أو‏ ‏لا‏.. ‏اختيار‏ ‏من‏ ‏المخرج‏ ‏فنيا‏ ‏أم‏ ‏لا‏.. ‏شاطر‏ ‏أم‏ ‏لا‏.. ‏ما‏ ‏يهمهم‏ ‏حاجات‏ ‏تانية‏ ‏خالص‏.. ‏طبعا‏ ‏كان‏ ‏من‏ ‏الممكن‏ ‏أن‏ ‏أنهار‏.. ‏إنما‏ ‏كان‏ ‏لدي‏ ‏إصرار‏.. ‏هم‏ ‏جعلوني‏ ‏أشعر‏ ‏كم‏ ‏أحب‏ ‏الفن‏.. ‏أتعرف‏ ‏عندما‏ ‏يتم‏ ‏ترشيحك‏ ‏لأكثر‏ ‏من‏ ‏بطولة‏ ‏ثم‏ ‏تترفض‏ ‏وتبدأ‏ ‏تعمل‏ ‏أدوار‏‏ثالثة‏ ‏ورابعة‏.. ‏ما‏ ‏حدث‏ ‏معي‏ ‏كان‏ ‏كفيلا‏ ‏بقتل‏ ‏أي‏ ‏واحد‏ ‏في‏ ‏الدنيا‏, ‏لكن‏ ‏كنت‏ ‏أؤمن‏ ‏بنفسي‏ ‏وبالله‏، ‏لذلك‏ ‏قررت‏ ‏أن‏ ‏أقف‏ ‏علي‏ ‏قدمي‏ ‏ونجحت‏.. ‏والرجل‏ ‏الذي‏ ‏رفضني‏ ‏في‏ ‏يوم‏ ‏من‏ ‏الأيام‏.. ‏قال‏ ‏لي‏: ‏أنا‏ ‏آسف‏.. ‏أنا‏ ‏تاجر‏ ‏واللي‏ ‏تغلب‏ ‏به‏.. ‏العب‏ ‏به‏.‏ لذلك‏ ‏أقول‏ ‏لكل‏ ‏الشباب‏.. ‏بتحب‏ ‏حاجة‏.. ‏حبها‏ ‏تحبك‏.. ‏أنا‏ ‏عمري‏ ‏ما‏ ‏نظرت‏ ‏لفيلم‏ ‏هآخذ‏ ‏عليه‏ ‏جائزة‏.. ‏أو‏ ‏متي‏ ‏سأكون‏ ‏بطلا‏.. ‏أنا‏ ‏فنان‏ ‏في‏ ‏المهنة‏ ‏ومفيش‏ ‏حاجة‏ ‏في‏ ‏المهنة‏ ‏اسمها‏ ‏نجم‏.. ‏مفيش‏ ‏حاجة‏ ‏اسمها‏ ‏تترقي‏ ‏حتي‏ ‏تصبح‏ ‏نجما‏.. ‏النجومية‏ ‏نوع‏ ‏من‏ ‏التميز‏ ‏في‏ ‏صفة‏ ‏التميز‏ ‏أنك‏ ‏مهتم‏ ‏بشغلك‏.. ‏وفي‏ ‏النهاية‏ ‏كله‏ ‏فنان‏.‏ هنا‏ ‏عبرت‏ ‏له‏ ‏عن‏ ‏عدم‏ ‏رضائي‏ ‏عن‏ ‏مصطلح‏ ‏كله‏ ‏فنان‏.. ‏واضطر‏ ‏أن‏ ‏يغير‏ ‏منهجه‏ ‏في‏ ‏الاختيار‏.. ‏أنا‏ ‏أختار‏ ‏حسب‏ ‏الفيلم‏ ‏الذي‏ ‏أصدقه‏.. ‏أحب‏ ‏أقطع‏ ‏تذكرة‏ ‏للسيناريو‏ ‏وأدخله‏.. ‏صدقته‏ ‏أقول‏ ‏هأعمل‏ ‏إيه‏.. ‏ازاي‏ ‏وأقبل‏ ‏العيش‏ ‏معه‏.‏

«ضد الحكومة»

ونعود‏ ‏إلي‏ ‏المشهد‏ ‏الثالث‏ ‏الذي‏ ‏ارتدي‏ ‏فيه‏ ‏أحمد‏ ‏زكي‏ ‏أزهي‏ ‏رداء‏ ‏الأداء‏ ‏التمثيلي‏.. ‏كون‏ ‏الشخصية‏ ‏تتحول‏ ‏من‏ ‏النقيض‏ ‏إلي‏ ‏النقيض‏ ‏في‏ ‏السلوك‏ ‏والإيمان‏ ‏وأشياء‏ ‏أخري‏، ‏وذلك‏ ‏عندما‏ ‏تأثرت‏ ‏الشخصية‏ ‏التي‏ ‏تدعي‏ ‏مصطفي‏ ‏خلف‏ ‏المحامي‏ ‏بظلم‏ ‏من‏ ‏حولها‏, ‏بل‏ ‏بظلم ‏‏أقرب‏ ‏الأقربين‏ ‏إليه‏ ‏وهو‏ ‏ابنه‏.‏ مصطفي‏ ‏خلف‏ ‏كان‏ ‏قد‏ ‏تلاعب‏ ‏بالقانون‏ ‏وبالحياة‏، ‏وكان‏ ‏المشهد‏ ‏داخل‏ ‏المحكمة‏، ‏حيث‏ ‏وقائع‏ ‏جلسة‏ ‏حادث‏ ‏دهس‏ ‏قطار‏ ‏لأتوبيس‏ ‏المدرسة‏.‏ وقف‏ ‏مصطفي‏ ‏خلف‏ ‏ـ‏ ‏محامي‏ ‏التعويضات‏ ‏في‏ ‏فيلم‏ ‏ضد‏ ‏الحكومة‏.. ‏الذي‏ ‏بدأ‏ ‏حياته‏ ‏وكيلا‏ ‏للنائب‏ ‏العام‏، ‏ثم‏ ‏فصل‏ ‏بعد‏ ‏عام‏ ‏بتهمة‏ ‏الرشوة‏ ‏ثم‏ ‏عمل‏ ‏بالمحاماة‏ ‏واندفع‏ ‏ليدافع‏ ‏عن‏ ‏تجار‏ ‏المخدرات‏ ‏بذكائه‏ ‏ثم‏ ‏لعب‏ ‏علي‏ ‏فلوس‏ ‏التعويضات‏ ‏مستغلا‏ ‏ضحاياه‏.. ‏ولم‏ ‏يعرف‏ ‏أن‏ ‏له‏ ‏ابنا‏ ‏لمدة‏ 15 ‏عاما‏.. ‏وقف‏ ‏مصطفي‏ ‏أو‏ ‏أحمد‏ ‏زكي‏ ‏في‏ ‏مشهد‏ ‏رائع‏ ‏كانت‏ ‏عينه‏ ‏فيها‏ ‏هي‏ ‏البطل‏ ‏الحقيقي‏ ‏للتعبير‏ ‏رغم‏ ‏قسوة‏ ‏الكلمات‏.. ‏وكان‏ ‏عينه‏ ‏تنظر‏ ‏للدنيا‏ ‏كلها‏ ‏يعترف‏ ‏لها‏ ‏بذنوبه ‏‏وبخطاياه‏ ‏ويطلب‏ ‏المغفرة‏، ‏لكن‏ ‏هذه‏ ‏الذنوب‏ ‏والخطايا‏ ‏كلها‏ ‏أقل‏ ‏من‏ ‏جريمة‏ ‏دهس‏ ‏الأتوبيس‏ ‏وضرورة‏ ‏محاكمة‏ ‏المسئولين‏.. ‏قال‏ ‏أحمد‏ ‏زكي‏ ‏في‏ ‏مشهد‏ ‏من‏ ‏شوط‏ ‏واحد‏ ‏هو‏ ‏الأحب‏ ‏إلي‏ ‏قلبي‏ ‏في‏ ‏الأداء‏ ‏والتميز‏.‏ أعلن‏ ‏كل‏ ‏خطاياي‏ ‏أمامكم‏ ‏وعلي‏ ‏الملأ‏ ‏لعلي‏ ‏أتطهر‏ ‏منها‏ نعم‏ ‏أنا‏ ‏مثال‏ ‏للمحامي‏ ‏الفاسد‏ ‏بل‏ ‏أكثر‏ ‏فسادا‏ ‏مما‏ ‏يتصوره‏ ‏أستاذي‏.. ‏أنا‏ ‏ابن‏ ‏لهذه‏ ‏المرحلة‏ ‏والمراحل‏ ‏التي‏ ‏سبقتها‏.. ‏تفتح‏ ‏وعيي‏ ‏مع‏ ‏التجربة‏ ‏الناصرية‏ ‏آمنت‏ ‏بها‏ ‏ودافعت‏ ‏عنها‏.. ‏فرحت ‏‏بانتصاراتها‏.. ‏تجرعت‏ ‏مرارة‏ ‏هزائمها‏ ‏وانتصاراتها‏.. ‏هنت‏ ‏عندما‏ ‏هان‏ ‏كل‏ ‏شيء‏.. ‏سقطت‏ ‏كما‏ ‏سقط‏ ‏الجميع‏ ‏في‏ ‏بئر‏ ‏سحيقة‏ ‏من‏ ‏اللا‏ ‏مبالاة‏ ‏والإحساس‏ ‏بالعجز‏ ‏وقلة‏ ‏الحيلة‏.‏ أدركت‏ ‏قانون‏ ‏السبعينيات‏ ‏ولعبت‏ ‏عليه‏ ‏وتفوقت‏.. ‏تاجرت‏ ‏في‏ ‏كل‏ ‏شيء‏ ‏في‏ ‏القانون‏ ‏والأخلاق‏ ‏والشرف‏.. ‏أنا‏ ‏لا‏ ‏أنكر‏ ‏شيئا‏.. ‏ومستعد‏ ‏للحساب‏ ‏وتحمل‏ ‏المسئولية‏.. ‏بل‏ ‏أكثر‏ ‏من‏ ‏ذلك‏ ‏اعترف‏ ‏أماكم‏ ‏بأنني‏ ‏دخلت‏ ‏هذه‏ ‏القضية‏ ‏طامعا‏ ‏في‏ ‏مبلغ‏ ‏تعويض‏ ‏ضخم‏، ‏لكني‏ ‏اصطدمت‏ ‏بحالة‏‏ خاصة‏.. ‏جعلتني‏ ‏أراجع‏ ‏نفسي‏.. ‏أراجع‏ ‏موقفي‏ ‏كله‏.. ‏حياتي‏ ‏وحياتنا‏.. ‏اصطدمت‏ ‏بالمستقبل‏.. ‏نعم‏ ‏صبي‏ ‏من‏ ‏الذين‏ ‏حكم‏ ‏عليهم‏ ‏بأن‏ ‏يكونوا‏ ‏ضمن‏ ‏ركاب‏ ‏الأتوبيس‏ ‏أتوبيس‏ ‏الموت‏ ‏رأيت‏ ‏فيه‏ ‏المستقبل‏ ‏الذي‏ ‏يحمل‏ ‏لنا‏ ‏طوق‏ ‏نجاة‏ ‏حقيقيا‏، ‏نسحقه‏ ‏دون‏ ‏أن‏ ‏يهتز‏ ‏لنا‏ ‏جفن‏.. ‏نقتله‏ ‏ونحن‏ ‏متصورون‏ ‏أن‏ ‏هذه‏ ‏هي‏ ‏طبائع‏ ‏الأمور‏.‏ إن‏ ‏هذه‏ ‏جريمة‏ ‏كبيرة‏ ‏لابد‏ ‏أن‏ ‏يحاسب‏ ‏من‏ ‏السبب‏ ‏فيها‏.. ‏إنني‏ ‏لا‏ ‏أطلب‏ ‏سوي‏ ‏محاسبة‏ ‏المسئولين‏ ‏الحقيقيين‏ ‏عن‏ ‏قتل‏ 20 ‏تلميذا‏ ‏لم‏ ‏يجنوا‏ ‏شيئا‏ ‏سوي‏ ‏أنهم‏ ‏ابناؤنا‏.. ‏أبناء‏ ‏العجز‏ ‏والإهمال‏.. ‏كلنا‏ ‏فاسدون‏.. ‏لا‏ ‏استثني‏ ‏أحدا‏ ‏حتي‏ ‏بالصمت‏ ‏العاجز‏ ‏والمواطن‏ ‏قليل‏ ‏الحيلة‏.‏ في‏ ‏هذه‏ ‏اللحظة‏ ‏بدا‏ ‏تجلي‏ ‏أحمد‏ ‏زكي‏ ‏في‏ ‏الأداء‏ ‏وبلغ‏ ‏ذروته‏ ‏متأثرا‏ ‏بقيمة‏ ‏الموقف‏ ‏وكأنه‏ ‏يدرك‏ ‏أنه‏ ‏أمسك‏ ‏بزمام‏ ‏أحاسيس‏ ‏وعقول‏ ‏مشاهديه‏، ‏وواصل‏ ‏المشهد‏ ‏وقال‏ ‏سيدي‏ ‏الرئيس‏ ‏كل‏ ‏ما‏ ‏أطالب‏ ‏به‏ ‏أن‏ ‏نصلي‏ ‏جميعا‏ ‏صلاة‏ ‏واحدة‏ ‏لإله‏ ‏واحد‏ ‏إله‏ ‏العدل‏ ‏الواحد‏ ‏الأحد‏ ‏القهار‏.. ‏لست‏ ‏صاحب‏ ‏مصلحة‏ ‏خاصة‏ ، ‏ولكن‏ ‏لدي‏ ‏علاقة‏ ‏ومصلحة‏ ‏في‏ ‏هذا‏ ‏البلد‏، ‏لدي‏ ‏مستقبل‏ ‏هنا‏ ‏أريد‏ ‏أن‏ ‏أحميه‏.. ‏أطالب‏ ‏المسئولين‏ ‏الحقيقيين‏ ‏عن‏ ‏هذه‏ ‏الكارثة‏ ‏بالمثول‏ ‏أمام‏ ‏عدالتكم‏ ‏لسؤالهم ‏‏واستجوابهم‏.. ‏فهل‏ ‏هذا‏ ‏كثيرا‏.. ‏أليسوا‏ ‏بشرا‏ ‏خطائين‏ ‏مثلنا‏.. ‏أنا‏ ‏ومعي‏ ‏المستقبل‏ ‏كله‏ ‏نلوذ‏ ‏بكم‏ ‏ونلجأ‏ ‏إليكم‏.. ‏ هنا‏ ‏ضجت‏ ‏القاعة‏ ‏بالتصفيق‏.. ‏وضج‏ ‏قلبي‏ ‏كمشاهد‏ ‏بهذا‏ ‏الأداء‏ ‏المبهر‏ ‏لنجم‏ ‏غاص‏ ‏في‏ ‏شخصيات‏ ‏تأملنا‏ ‏معها‏، ‏هذا‏ ‏المشهد‏ ‏عندما‏ ‏أشاهده‏ ‏في‏ ‏كل‏ ‏مرة‏ ‏أشعر‏ ‏أنني‏ ‏أشاهده‏ ‏لأول‏ ‏مرة‏ ‏وانفعل‏ ‏به‏.. ‏هكذا‏ ‏قلت‏ ‏لأحمد‏ ‏زكي‏ ‏وقال‏ : ‏أنني‏ ‏قدمت‏ ‏شخصيات‏ ‏كثيرة‏ ‏درجات‏ ‏ظلمها‏ ‏وقهرها‏ ‏متفاوتة‏، ‏لكني‏ ‏أؤكد‏ ‏لك‏ ‏أنني‏ ‏تأثرت‏ ‏بظلم‏ ‏الحياة‏ ‏والمجتمع‏ ‏لشخصياتي‏ ‏أو‏ ‏ظلمها‏ ‏لنفسها‏ ‏ومجتمعها‏.‏ وكنت‏ ‏أنفعل‏ ‏معها‏.. ‏كنت‏ ‏أشعر‏ ‏بعد‏ ‏كل‏ ‏أداء‏ ‏لهذه‏ ‏الشخصية‏ ‏أن‏ ‏بداخلي‏ ‏ثورة‏.. ‏أو‏ ‏أن‏ ‏هناك‏ ‏ثورة‏ ‏لابد‏ ‏وأنها‏ ‏ستقام‏ ‏سواء‏ ‏من‏ ‏الشخص‏ ‏علي‏ ‏نفسه‏ ‏أو‏ ‏علي‏ ‏المجتمع‏ ‏أو‏ ‏المسئولين‏ ‏عنه‏.. ‏وتذكروا‏ ‏شخصيات‏ ‏هامشية‏ ‏عميقة‏ ‏يكمن‏ ‏بداخلها‏ ‏المواطن‏ ‏المصري‏ ‏ ‏ ‏وكبريائه‏ ‏وبراءته‏.. ‏بداخلهم‏ ‏القناعة‏ ‏والطموح‏.. ‏مثل‏ ‏سيد‏ ‏غريب‏ (‏اضحك‏ ‏الصورة‏ ‏تطلع‏ ‏حلوة‏.. ‏وزين‏ ‏في‏ ‏هستريا‏.. ‏وعلي‏ ‏عبدالستار‏ ‏في‏ ‏الحب‏ ‏فوق‏ ‏هضبة‏ ‏الهرم‏.. ‏وإبراهيم‏ ‏صالح‏ ‏في‏ ‏أنا‏ ‏لا‏ ‏أكذب‏ ‏ولكني‏ ‏أتجمل‏.. ‏أحمد‏ ‏سبع‏ ‏الليل‏ ‏في‏ ‏البريء‏.. ‏ومنتصر‏ ‏في‏ ‏الهروب‏.. ‏حازم‏ ‏الشناوي‏ ‏في‏ ‏الباشا‏.. ‏عيد‏ ‏في‏ ‏أحلام‏ ‏هند‏ ‏وكامليا‏.. ‏وعادل‏ ‏صدقي‏ ‏في‏ ‏البداية‏ ‏وفارس‏ ‏في‏ ‏طائر‏ ‏علي‏ ‏الطريق‏.

عدد المشاهدات 926

الكلمات المتعلقة :