توك شو

مصطفى شهيب يكتب

اللقاء التانى


  
2/13/2018 5:41:46 PM




انا واحد من الجيل الذى حضر الحب بالنظرات، كان غرامى بها لا يوصف، تلك الفتاة الفاتنة الكائنة بفصل تانية تالت والتى كنت بسببها احقد على كل اصدقائى الأوغاد الذين واعدهم الحظ وكانوا زملائها بنفس الفصل بينما أنا محدوف زى الكلب فى تانية خامس! أخرج كل يوم من بيتى فى كامل أناقتى، الجزمة متلمعة، القميص مكوى، شعرى على جنب متسرح شعراية شعراية.. فأنا سأقابلها فى طابور الصباح، يظل قلبى قبل عينى معلقا عليها بين كتيبة فصلها المصطفة تمارس تمارين الصباح اليومية السخيفة ومن بعدها الإذاعة المدرسية..احاول اثبت لها انها فتاة محظوظة تحب شخصا مميزا فأخرج من الطابور لكى أحى العلم والعيون كلها تلاحقنى كنجم سينما يوم أفتتاح فيلمه، فاصرخ"تحيا جمهورية مصر العربية"محاولا تمييز صوتها من بين كل المئات الذين يرددون ورائى واعود لها فى الطابور كبطل يمتطى جواده بعد غزوة حصد فيها رؤوس بما يكفى، والعكس..كان اليوم الذى لا ألمحها فيه فى طابور المدرسة افهم تلقائيا انها غابت وبالتالى يصبح اليوم كئيباً وكأن الشمس اعتذرت عن الشروق ذلك اليوم وقررت تأجز هى الأخرى! فى الفسحة تقف هى مع صديقتها الانتيم، والتى أصبحت شريكة فى علاقتنا فجأة، تنبهها لوجودى دائما.. تبتسم لى هى الأخرى ابتسامة اخوية وينشأ بيننا ود وقد أصبحت كاتمة أسرارنا، انا ايضا اتحرك بصديقى وقد فهم أن صديقه وقع على عينه وتورط بقصة حب ليس له يد بها، فأظل انا وهو نراقبها، هى وصديقتها تستمتعان بتلك المراقبة باتفاق سرى غير معلن بيننا نحن وهم، نظل نحوم حولهم على بعد مسافه ليست كبيرة وليست صغيرة، مسافة بالكاد تسمح لى أن تظل تحت عينى.. فلا احنا بالقرب الذى يفضحنا ولا نحن بالبعد الذى يقهرنا، كان شعورا غريبا ممتعا وانت تسرق الفرحة بين كل هؤلاء الناس دون ان يضبطك أحد، تنظر لى الفتاة وانا اكلم صديقى فيزغدنى فجأة قائلاً"ألحق بتبص عليك"فانظر لها فورا، فتهرب بنظراتها لصديقتها حتى أعود لصديقى فتنظر لى مرة أخرى فى خبث، من بين كل تلك النظرات الخاطفة كانت هناك النظرة التى تتواجه فيها أعيننا فى نفس اللحظة، تلك اللحظة المربكة التى تشعر وقتها ان شخصا امسكك واخذك يحركك بكل الاتجاهات بكل عنف حتى وقع قلبك فأمسكه وضغط عليه بكل قوته، ذلك العذاب الممتع المحير، لتأتى بعدها ضحكة كبيرة، وتسبيلة، وغمزة خاطفه ونظرة منها تسألنى"هوانا حلوة النهاردة ؟".. كان آخر يوم بالامتحانات يوما شاقا جدا على نفسى..كنت متعمدا ان لا تغيب لحظة عن عينى..فلا اعلم هشوفها تانى ازاى، أما فى الاجازة نفسها فقد كان الشوق قد بلغ ذروته، فقررت ان اتمشى تحت بيتهم انا وصديقى الذى لا يفهم لماذا نمر بهذا الشارع للمرة الثامنة والسبعين خلال ساعة..كان الشارع حيويا وضاجرا بصوت البشر إلا عند منزلها تستطيع تحديدا ان تتعلم المعنى الحرفى لصمت القبور..عرفت بعدها عن طريق الصدفة أنها هاجرت مع أهلها للسعودية.. فانتهت الحدوته للأبد.. تذكرت تلك التفاصيل وانا اراها صدفة فى هايبر ماركت من أيام، رأيتها ولم ترانى..كالعاده يعنى، كانت تقف فى طابور طويل عند ثلاجة الجبن.. اختلفت ملامحها كثيرا بعد الحجاب وبعدما طالتها الكثير من السمنة ولكنها ظلت كما هى زى القمر..شعرت بنفس النغزة فى قلبى اللى كانت تصيبنى كلما رأيتها..أدركت وقتها انى لسه عيل..وأن لسه قلبى صاحى، قررت فى تلك اللحظة وبكل همجية ودون أى حسابات أن أختلق صدفة وان اخبرها بأنها اجمل وانقى قصة حب عشتها وسأعيشها على الإطلاق..ستتذكرنى بالتأكيد..وحتى لولم تتذكرنى..مش مهم، المهم اننى أصبحت شجاعا هذه المرة عن كل المرات الفائته..صحيح أن الوقت متأخر..بل متاخر جدا..ولكن ان تأتى متأخرا افضل من ان ألا تأتى ابدا.. اتجهت خطوتين باتجاهها..ولكنها فجأة انحنت على عجلة أطفال بجانبها وحملت طفلاً تلاعبه، فغيرت مسار خطواتى..اتجه لطريق اخر.. وانا مبتسم..امسك موبايلى واتخيل للحظة لوكان بيننا الواتساب ساعتها فاختصر كل تلك المسافات ولم ابذل كل ذلك التعب فى أخبارها"بحبك"التى لم اقولها اصلا!، ولوكان وقتها فيس بوك فأرى صورتها عندما توحشنى ولا اشعر بالذل الذى عشته وانا اراقبها فى المدرسة والدروس وتحت بيتها لكى اكتشف تفاصيل جديدة فى جمالها لم اكتشفها المرة السابقة..، فجأة انتعشت بكل روائح الذكريات والاماكن والأغانى التى هبت عليا فجأة..شعرت اننى أعود فى لحظة لذلك الطفل البريء..ذلك الطفل الذى لم يدرك ان ما فى الحياة اصعب بكثير من حب البنت اللى فى تانية تالت.

عدد المشاهدات 153

الكلمات المتعلقة :