سينما

عادل إمام .. زعيم تعشقه الحياة وتطارده شائعات الألم


  خالد محمود
5/4/2019 11:05:08 AM



يسكن النجم عادل إمام فى أعماق قلوب الملايين من محبيه وأنا واحد منهم، يتمنون له مزيد من العطاء وينتظرونه، فهو جزء أصيل من تاريخ البهجة فى بلدنا، تلامس مع أوجاعنا، طيب بخاطرها بتجسيده عديد من الشخصيات التى انتفضت معها تلك الأوجاع لتعيش فى سكينة مع زمانها، حتى فى لحظات التمرد مثلما ظهر كـ«عادل عيسى» فى فيلم "الغول"، لم يرتاح باله سوى بالخلاص من غول الجشع والاستغلال والافتراء، فارتاح ضميره، وتنفسنا معه لحظة الخلاص هذه، كلمه "أه" التى أطلقها وهو يجسد «العميد مجدى» فى «النوم فى العسل»؛ كانت بمثابة خلاص أيضا وحل ارتضت به جميع النفوس.


عادل إمام "الزعيم"، لأنه يحتل مكانة كبيرة يريد الجميع الاطمئنان عليه وعلى صحته من منطق الحب، وليس من باب الشائعات بمفهومها المجرد حول تدهور الحالة الصحية وأكثر، التى أصبحت للأسف تملأ منصات التواصل الاجتماعى، وخاصة تلك التى تتعرض لأزمات صحية تتعلق بالنجوم.

وإن كنت هنا، وعلى الجانب الآخر، أرى أن وقوف هؤلاء النجوم فى خانة الصمت تجاه تلك الشائعات التى تظهر من حين لآخر، أمر جانبه الصواب، وطمأنة الجماهير والمحبين فعل مهم، حتى لو تحدث أحد من المقربين أو كشف فى بيان ما يوقف به سيل أى تكهنات، وخاصة فى حالة نجم يحتل مكانة كبيرة مثل عادل إمام.


نعم.. من حق أى نجم أن يحيط حياته بتفاصيلها بالسرية التى يريدها، ولكن عندما يتجاوز الأمر إلى شائعات من تلك النوعية عليه أن يطمئن الجميع.

الزعيم العاشق لجمهوره تعشقه بحق الحياة وتمنحه بريقا، برغبته فى مواصلة مسيرة الأعمال، وكم نحن تألمنا كثيرا عندما علمنا أنه لم يظهر فى موسم رمضان المقبل، بعد أن توقف مسلسله الجديد "فلانتينو"، لظروف ذات أطراف متعددة، منها ما هو مكشوف كأحوال الانتاج والتوزيع، وما هو مستور لا نعلمه، وحينها نفي نجله المخرج رامي إمام أن يكون السبب ما أشيع عن وعكة صحية ألمّت بالنجم المصري الكبير وحالت دون إكمال التصوير، لكن الشئ المؤكد أننا كنا ننتظره باشتياق كبير، وأنا شخصيا تأثرت كثيرا بمسلسله الأخير وبتوهجه وتألقه فى دراما «عوالم خفية»، وقلت عقب مشاهدة العمل، أننى معجب بشخصية الصحفى الكبير هلال كامل، فى رحلة بحثة عن الحقيقة، بل وطريقته فى علاقته بعمله، ما زال الرجل السبعينى يتخذ من المصداقية عنوانا لمهنته التى أخلص لها، وخانها كثيرون، خاض بقلمه معارك، فى الوقت الذى كسا فيه الجبن كثيرين، وسلك بمبادئة منهجا لحياة أبى آخرون أن يعيشوا واكتفوا بسكون دقائق زمنهم.


«عوالم خفية» انجرت قيمتها من مشهد لآخر ومن جملة حوار معنى أعمق من مجرد حكاية تروى وحروف ترمز لشخصيات يبحث بطلها عنها ليكشف مستورها. كانت هناك فكرة جريئة مليئة بالأشواك، فنحن أمام انتهازية ورشوة وصراع كبير مع الشر من أجل خلع القناع عنه.

هلال كامل؛ الكاتب جعلنى أرى النجم الكبير عادل إمام الذى جسد دوره، المدرسة التى تتفجر ابداعا وإلهاما، حافظ على الخيط الرفيع بين كونه كاتبا شهيرا يحقق «صحفيا» فى قضية فساد كبيرة ألقت ببرىء يدعى سعيد غنام «محمد صيام» إلى ساحات السجون أكثر من عشرين عاما، وبين كونه مواطنا وانسانا يتعامل مع المحيطين من حوله بشفافية وصدق وحنان، سواء رئيس التحرير صديق عمره أبو المعاطى أو تلميذته نهى وحفيديه، أو حتى ابنته وزوجها، الذى انجرف هو الآخر فى عالم الفساد والرشوة.


عادل إمام منح بتلقائية ادائه نورا لدراما العمل، ودخل بـ«عوالم خفية» محطة جديدة غير بها نمط أداء وكاركترات قدمها فى الأعوام الأخيرة، وهى سمة النجوم الذين يدركون قيمة التغيير، وذاق طعم الكتابة الجديدة الطازجة ومنح الفكرة بريقا خاصا بأستاذية العمر، مشاهد عديدة كانت تعبيرات هلال كامل أو عادل إمام بها مدهشة، كانت معظمها تنتهى بنظرات عميقة لتبقى فى مخيلتنا وتداعب أفكارنا وتجعلنا نرى مجتمعنا وانفسنا بمنظور جديد.

الحديث عن الزعيم هذا الأسبوع جعلنى أجوب مرة اخرى عند محطات مؤثرة فى مشواره وفى تاريخ السينما أيضا ، وهى مرحلة اخرى غير «اللايت كوميدى»، منها «الافوكاتو» ومتعة الفانتازيا مع المحامى حسن سبانخ، و«اللعب مع الكبار» ومخاطر الحلم الممزوج بالواقع مع حسن بهلول، ذلك المواطن الذى يحاول أن يعيش حياته التي يصبغها بعبثية جميلة، معتمداً على قدراته وخبراته في الحياة، واقعه مظلم وآماله محطمة، إلا أنه يملك قدراً كبيراً من الحب والإحساس بالمسئولية تجاه وطنه.


و«طيور الظلام» الذى شكل علامة فارقة فى قراءة مستقبل وآلاعيب خفافيش الظلام بمختلف طوائفها وألوانها بطرح فكرى وفنى جرئ لمؤلفه وحيد حامد ومخرجه شريف عرفة وبريق وشعبية عادل امام كنجم جماهيرى من خلال رحلة فتحى نوفل المحامى الذى جسده حيث رأينا الواقع المصرى بكل تناقضاته واتجاهاته، و«الحريف» مع فارس الذى تاه فى زحام سوق اليأس والأمل، وكذلك «السفارة فى العمارة» بشخصية المهندس شريف خيرى التى لعبت على وتر حساس وقضية شائكة انتصر فيها للوطنية.


والإرهاب والكباب بشخصية أحمد فتح الباب، التى جسدها نجمنا بروية اجتماعية سياسية وايضا فانتازيا ليست بعيدا عن المنطق، ومن قبلهم «حب فى الزنزانة» بقصة حب لسجينين «صلاح وفايزة»، التي يمكن تأويلها بأن المجتمع نفسه أصبح سجن كبير لأي قصة حب، و"الغول" الذى أشرت له من قبل. وفيه وجدتنى أشاهد ممثلا كبيرا بهرنى بأدائه الهادئ والمعبر فى شخصية عادل الصحفى، ذلك الأداء الذى لم أعهده فى كثير من أدواره، ووجدته يمسك بشخصية قد تبدو بسيطة بحكم كيانها الاجتماعى صحفى يكتب عن أخبار النجوم والفنانين ويجعل منها شخصية ناضجة وطازجة وواعية فى فكرها الاجتماعى، وعلاقته كفرد بالمجتمع بإصراره على ملاحقة «الغول» رجل الأعمال فريد شوقى الذى ينهش فى جسد المجتمع ويستغل كل ثغراته الاقتصادية وفجواته الاجتماعية، التى نشأت فى سنوات الانفتاح.