غناء

نقلناه لكم من مسرح حديقة الأزبكية


  وجدى الشناوى يكتب:
2/7/2019 2:59:07 PM






  هذه الجملة التي طالما سمعناها من الإذاعة في ختام الحفل الشهري لـ »سيدة الغناء العربي «، «كوكب الشرق »، أم كلثوم، هذا المسرح بطرازه المعماري العربي البديع والذي كان يتوسط حديقة الأزبكية العريقة، وأصبح فيما بعدا مقرا دائما للفرقة المسرحية الرسمية للدولة تحت مسمي المسرح القومي، وقد اختارته الإذاعة منذ ثلاثينيات القرن الماضي لإقامة مواسم حفلاتها الغنائية الشهرية لـ «سيدة الغناء العربي »، أم كلثوم.



 وقد كان لي حظا يحسدني عليه كثير من أصدقائي لمعايشتي حفلات أم كلثوم طفلا وصبيا يتجول في جنبات هذا المسرح الشهير، حين كان والدي رحمه الله الحاج - وحيد الشناوى - مديرا لمسرح حديقة الأزبكية لأكثر من ربع قرن، وقد كان مخصصاٌ له ولأسرته سكنا خاصا فيه بنظام المدير المقيم، مما اتاح لى مشاهدات كثيرة فى هذه المناسابات يمتلئ بها صندوق الذكريات. واذا كانت هناك استعدادات استثنائية فى كل بيت مصرى أو عربى لمتابعة هذا الحفل من الإذاعة مساء الخميس الأول من كل شهر، فقد كان أيضا يوما استثنائيا فى مسرح الأزبكية، أعمال نظافة وصيانة فوق المعتادة وينتشر بين العاملين به حالة من البهجة أثناء تجهيز الديكور والإضاءة وصالة العرض، وتجهيز كابينة الإذاعة فى أحد البناوير، والتى كان يقدم منها الحفل كبار الإذاعيين الأساتذة حسنى الحديدي، جلال معوض، صلاح زكي، صبرى سلامة، وجدى الحكيم وغيرهم، ممن كان يطاردهم بين الوصلات الغنائية بعضا من جمهور الحفل يدفعهم الفضول لمعرفة ما سوف تشدو به الست فى الوصلة القادمة، وكانوا بدورهم يداعبونهم بعدم البوح باسم الأغنية باعتباره من أسرار المذيع، لكنهم لم يكونوا يصمدون حرجا خاصة امام إلحاح الجنس اللطيف. كانت الإذاعة المصرية هى المنظمة لهذه الحفلات الشهرية، والمسئولة عن بيع وتوزيع تذاكرها على الجمهور من مقرها بشارع الشريفين، وكانت أسعارها حتى منتصف الستينيات، جنيهان للفئة الأولى، وجنيها واحدا للفئة الثانية و50 قرشا للبلكون أعلى المسرح، وقد وقع فى يدى إعلانا عن حفل أم كلثوم على مسرح الأزبكية عام 1937 كانت أسعار التذاكر فيه 30 قرشا للفئة الأولى و20 قرشا للفئة الثانية و7 قروش للبلكون، وقد كان مما لاحظته أن معظم جمهور الحاضرين هم ذاتهم الذين يحضرون كل شهر فى نفس المقاعد والبناوير والألواج ويكادون يعرفون بعضهم البعض كأصدقاء أو أقارب، وكان على رأسهم الشاعر الكبير أحمد رامى الذى يشغل وأسرته وأصدقاءه الصف الأول دائما، وجمهور السميعة من صديقات الست اللاتى يشغلن أيضا نفس المقاعد الأمامية كل شهر. كان لوالدى مكتبان بالمسرح، أحدهما إلى جوار خشبة المسرح مباشرة وبابه الخارجى على مدخل وفناء المسرح، وكان هذا المكتب هو مدخل السيدة أم كلثوم إلى خشبة المسرح وغرفة استراحتها، وكان والدى دائما فى استقابلها عند دخولها، وتتحدث معه قليلا بشأن ما اختاره لديكور حفل الليلة كخلفية لها ولفرقتها الموسيقية، والذى غالبا ما يكون ديكور أحد صالونات مسرحيات فرقة المسرح القومي، كنت دائما اقف إلى جوار والدى فى هذه اللحظات لأحظى بمصافحة الست التيتبتسم مداعبة ازيك يا شناوى يا صغير، فهى بالطبع لا تتذكر اسمي، ولكن ودها كان فياضا وابتسامتها آسرة، وذلك قبل أن اتخذ لى مقعدا بجوار ستارة المسرح وخلف ضابط إيقاع فرقتها الموسيقية مباشرة، لأشاهد واستمع للوصلة الأولى فقط حسب تعليمات الوالد، ومن موقعى هذا كنت اشاهد الست قادمة من غرفتها إلى خشبة المسرح الذى اصطف به العازفون الكبار محمد القصبجى وعبده صالح وأحمد الحفناوى والحريرى وسيد سالم وغيرهم، فيتهللون وتعلو الابتسامات وجهوهم لبعض تعليقاتها المشجعة إلى أن تجلس على مقعدها واراها تتمتم ببعض الآيات القرآنية ثم تعطى الإشارة لدقات المسرح وفتح الستار. فى مكتب الوالد هذا كنت على موعد مع وثيقة تاريخية، مساء يوم الخميس الموافق 5 مارس 1964، موعد الحفل الشهرى والذى صادف ثانى حفل أقيم بعد حفل لقاء السحاب بين «كوكب الشرق «، أم كلثوم، و «موسيقار الأجيال « محمد عبد الوهاب وأغنية «أنت عمري « لأول مرة فى 6 فبراير عام 1964على نفس المسرح، فى هذه الليلة كان يجلس الأستاذ عبد الوهاب فى مكتب الوالد المجاور لخشبة المسرح، بعد أن وجه بعض الملاحظات للفرقة الموسيقية، وللمصادفة تواجد معه فى نفس الوقت الشاعر الغنائى الجميل أحمد شفيق كامل، فإنتهزت هذه الفرصة واخذت منشور الدعاية الذى توزعه شركة «مصرفون « لأسطوانة «أنت عمري «، وطلبت من الأستاذ عبد الوهاب التوقيع عليه فقام بلطف بالتوقيع مصحوبا بكلمة للذكرى، توجهت بعدها فى المقعد المقابل للأستاذ أحمد شفيق كامل للتوقيع الذى قال تأدبا: «إزاى اوقع جنب الأستاذ عبد الوهاب «، لكنه وقع بعد الحاحى وابتسامة مشجعة من الأستاذ عبد الوهاب، ثم بادرنى الأستاذ شفيق علشان خاطر الحاج وحيد تعال معى نستكمل هذه الوثيقة التاريخية، فذهبنا إلى غرفة السيدة أم كلثوم وطلب منها التوقيع لى عليها، ففعلت بإبتسامة لطيفة وقالت لى ضاحكة: «خلى بالك دى ثروة كبيرة، طرت بها فرحا ليراها والدى وصعدتا إلى شقتنا غير مصدق لتراها أمي، ومازلت احتفظ بها حتى الآن «. موقف آخر شهدته فى هذا المكتب بعد انتهاء إحدى هذه الحفلات وأثناء انتظارنا خروج «الست «، لتمر منه إلى فناء المسرح، وكان الجمهور كالعادة يزدحم فى الخارج أمام الباب لتحيتها ومحاولة مصافحتها، ففوجئنا عند فتح الباب رغم وجود أفراد الشرطة بسيدة وزوجها ربما من تونس يندفعان إلى داخل المكتب وجها لوجه أمام السيدة أم كلثوم، وبيد الزوج الذى انحنى يقبل يد «الست « علبة اخرج منها إسورة من الماس، وتحاول زوجته وضعها فى معصم «الست « وهى تبكى فى هستيريا وترتعتش من أنها غير مصدقة أنها أمام أم كلثوم شخصيا، فتحتضنها «الست « بود وتخفف عنها بكلمات حنونة إلى أن خرجت بها من الغرفة فى مشهد مؤثر اهتزت له مشاعر كل الحاضرين. انقطعت حفلات أم كلثوم عن مسرح حديقة الأزبكية فى عام 1965، نظرا لزيادة الإقبال الشديد علة حفلاتها، وخاصة من جمهورها بالدول العربية، فنقلت الإذاعة الحفلات إلى سينما قصر النيل حيث عدد المقاعد يزيد عن ضعف عددها فى مسرح الأزبكية الذى شهد أجمل حفلاتها وأعذب أغانيها على مدى 30 عاما.

عدد المشاهدات 355

الكلمات المتعلقة :