مقالات

« مافيا » الفيديو كليب .. أين حمرة الخجل؟!


  أ.د.إلهام سيف الدولة حمدان
1/10/2019 9:34:05 AM

يقول علماء الطب النفسى إن الموسيقى تساعد على الاسترخاء العصبى والذهنى؛ وتُعطى الإنسان وعدًا قاطعًا بالهدوء؛ مع منحه تذكرة مجانية على زورق الأحلام السعيدة أثناء النوم الطويل بعد عناء العمل الشاق. لكن ماذا يحدث لمن ينشد هذا الاسترخاء إذا ماصادف حظه العاثر الاستماع إلى موسيقا محتشدة بأصوات زخات الرصاص فى خلفية مزعجة من أصواتٍ جنائزية؛ هى خليط من الصراخ وأصداء مرعبة مخيفة من «نعيق الغراب» ؟ وكلنا يعرف ماذا يختزن غالبية الوجدان الشعبى من تشاؤم وتطيّر من نعيقه؛ ذاك الغراب الذى خذل نبى الله«نوح» حين سقط على الجيَف، ولم يعُد بالخبراليقين عن جفاف الأرض وانحسار الطوفان، ومن يومها.. بات رمزًا للكآبة وأيقونةً للخراب. هذا هو ما وصل إليه الحال الآن؛ فيما يُعرض علينا من أغانٍ صيغت بكلماتٍ ركيكة تبعث على النفور والتحريض على العنف بلا مبرر، وكأن مصرنا المعطاء نضبت من الشعراء وكتاب الأغنيات الذين يحترمون وزن وقيمة اللفظ والدلالة فى أشعارهم، وكأن القاعدة أصبحت انتشار وسيطرة الأغنيات الهابطة بحثًا عن المال والشهرة وسقوط الفنان والمستمع معًا فى مستنقع الابتذال والركاكة والترهل، ناهيك عن مشاهد العنف والملابس الغريبة والحركات المصاحبة لهذا اللون؛ والموحية بكل ما هو رخيصٍ ومتدنٍ يتلاعب بأفكار الشباب والمراهقين، والمدهش أنها مصورة بأحدث تقنيات العصر فيما يسمَّى بـلقطات «الفيديو كليب» السريعة المتقطعة المرهقة للأذن والعين فى آن معاً. هل أصبحت «الأغنية» التى كانت تحترم وتجسد القيم الاجتماعية السامية وتحض عليها؛ سلعة بائرة فى سوق الفن ؟! بعد أن كانت الحائط الرطب الذى تستند إليه ظهورأهل العشق البرىء وعشاق الجمال ! ولماذا تركت الجهات الرقابية - المنوطة بهذا الأمر ـ مرتزقة الفن يعبثون بإزميل القبح فى فنون الذائقة الجمالية لشعبنا المصرى والعربي؟! فهجرنا التغنى بالوطن والغزل العفيف فى الطبيعة والنخيل وجنات الله على أرضنا، وانطلقت الموسيقا الصاخبة تحمل كلمات التغزل الرخيص ومافيا العصابات الغربية.. وصولا إلى معايرة الفنانين لبعضهم البعض! إننا نضع هذه المعضلة على مائدة الدراسة والتمحيص؛ أمام الخبراء وعلماء الاجتماع وأساتذة الطب النفسي؛ لأطرح سؤالاً ربما يجد الإجابة الشافية لديهم: هل هذه الموجة ترتبط بحالة التوتر والقلق الشعبيين فى السياسة والاقتصاد والتغيرات المتسارعة فى التركيبة الاجتماعية؟ وأقول: ربما يحدث هذا كما حدث فى ثلاثينيات القرن الماضى تحت نيرالاحتلال البغيض! لكن لماذا هذا الآن؟، وقد استقرت بنا الأحوال سياسيًا واقتصاديًا بالقدرالذى تسير معه الحياة بشكلها الرتيب بكل القناعة والرضا والأمل فى المستقبل الذى أشرقت شمس بشائره فى الأفق القريب. لست ضد شخوص بعينها فى هذا المجال وهُم معروفون على كل المستويات الرسمية والشعبية؛ لأن قلمى يعاف عن ذكرهم، وهم الذين يسيرون ـ عفوًا ـ كالصم والبكم والعميان وراء «موجة» ستنحسر عاجلاً أم آجلاً، لأن ذائقة الجموع كالبطن الرهيف الحساس؛ سرعان ماسيلفظ هذا الهراء إلى خارج تاريخ الفن والفنون على أرضنا، وسيبقى كل جميل يعشِّش فى ثنايا الوجدان والروح ليُكتب له الخلود إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. ما أشد حاجتنا الآن- وليس غدًا- إلى إعلاء قيم الحق والخير والجمال والحرية، لزيادة ما تحتويه ذاكرة المصريين من الثقافة المعرفية بأصالة تاريخنا وحضارتنا التى قامت على ظهر هذه الأرض؛ قبل أن يعرف العالم طريقه إلى «التأريخ» وصناعة الأقلام والأحبار والأوراق وآلات الطباعة؛ وقبل أن تظهر»مافيا الفيديو كليب» القابض على أعناق كثير من الفنانين سعيا إلى الشهرة والمال؛ على حساب الأصالة والفن الرفيع. ياأهل الفن: هل ندور بالدفوف فى الحوارى والأزقة ـ كما كان يفعل الفاطميون فى مصر ـ لنذكركم بأبسط مبادئ الالتزام بالمبادئ السامية لرسالة الفن، وتأثيرها الإيجابى على مسيرة الحياة وإيقاعها داخل المجتمع؟، إن الله سبحانه وتعالى قد أعطى الدرس لنبيه الكريم فى كيفية ترتيل القرآن بقوله: «يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا» (المزمل 1-4)! وترتيلاً هنا تعنى الإشارة إلى القراءة بكل فنون الجمال والصوت الحسُن والإيقاع الذى يهز القلوب واﻷفئدة. فهل أنتم مدركون لهذه المعادلة التى تسمو بفنونكم وإبداعاتكم، دون الخضوع لـ»عصا» المنع والقمع الواجب من أجهزة الدولة المسئولة كليًا عن مراقبة إنتاج الفن بكل أشكاله، وحينئذٍ سنستمع إلى صيحاتكم المنددة بالقهر والحجر على حرية الفكر والإبداع، وهى حجَّة واهية من الأساس تضحكون بها على عشاق فنونكم الرديئة. ويؤسفنى أن أقول لكم: أين حُمرة الخجل فى تقاطيع وجوهكم؛ أتتراقصون بموسيقاكم وكلماتكم المبتذلة وجنودنا البواسل يتساقطون فداء للوطن على خط النار؛ وأنتم تهيمون فى وادٍ آخر.. هو وادى التصحُّر الفنى والفكرى وتفقدون مع هذا الترنح القمىء مصريتكم وهويَّتكم التى يفخر ويزهو بها كل من يولد على أرضها المقدسة. إن كل الشواهد على مر التاريخ تقول: إن الإحساس الجمعى بذائقته الجمالية.. لايرحم أحدًا من السقوط من ذاكرة التاريخ! فارتقوا يرحمكم الله.. فالقاع قد اكتظ بالسفهاء! والفنون التى تقدمونها أصبحت كما «الهيروين» السام المغيب للوعى والفكر.. والإرادة !

عدد المشاهدات 90

الكلمات المتعلقة :