مقالات

كنت وحدى فى السينما ..

« الضيف » دار العرض لا تصلح لقراءة المقالات


  أحمد بيومى يكتب
1/16/2019 1:22:39 PM


أما قبل، وقفت أمام سينما «أوديون» فى وسط القاهرة قبل إنطلاق حفلة التاسعة والنصف بساعة كاملة لحجز تذكرة لمشاهدة فيلم «الضيف»، طلب منى الموظف الحضور قبل إنطلاق الفيلم بعشر دقائق لأنه لن يتمكن الآن، تصورت أن هناك أزمة طارئة فى أنظمة الحجز، بعد ساعة عدت مرة أخرى محاولا حجز التذكرة فاخبرنى بأسفه أنه لن يتمكن من تشغيل الفيلم لأنه لا يوجد متفرج آخر سواى، انزعجت بشدة وطالبت بمشاهدة الفيلم نظرا لأرتباطات أخرى، بعد بعض التفاوض قمت بحجز ثلاث تذاكر وانفردت بسينما أوديون التى تتسع لـ 400 مشاهد وحدى. أما بعد، الهدف الرئيس من العمل الفنى، والسينما تحديدا بإعتبارها الفن الأكثر شعبية فى العالم، هو التواصل مع الجمهور ومن ثم إيصال الأفكار والرسائل التى يرغب صناع العمل الفنى فى تمريرها. والمتعة سوف تظل هى العنصر الأهم فى كل أنواع الفنون والسينما على رأسهم بإعتبارها فن بصرى فى المقام الأول، وهى الحلم الذى يمكن أن يشاهده الناس مجتمعين سويا، تلعب الصورة فيها دورا أساسيا لا يمكن الإستغناء عنه. والمقولة الأشهر للمخرج العظيم ستانلى كوبريك: «هل كنا نقدر ونحترم لوحة الموناليزا فى حال ما كتب ليوناردو دافنشي أسفلها (سيدة تبتسم لأنها تخفى سرا عن حبيبها)، بالطبع لا .. الفن لا يحتاج لشرح». “المقال” الأخير الذى كتبه الكاتب الكبير إبراهيم عيسى وحاول المخرج هادى الباجورى تقديمه لمشاهدى السينما فشل بجدارة لكل الأسباب السابقة وغيرها. حاول كاتب “الضيف” أن يناقش قضايا شديدة الأهمية والخصوصية فى مجتمعنا المصري وربما العربي، وكاتب هذه السطور يؤمن بكل ما حاول عيسى أن يقوله فى «الضيف»، الحجاب والصليب دعاية دينية، المشايخ ليسوا آلهة بل يؤخذ منهم ويرد عليهم، البخارى بشرا مثلنا يخطئ ويصيب، الفرق الإسلامية الكثيرة والمتشعبة واستخدام الدين فى السياسة، نظرة المجتمع إلى الآخر وطريقة التعامل معه، عبء الحرية الذى ربما لا يستطيع الكل تحمله، وغيرها من أفكار عظيمة يحتاجها المجتمع المصرى أشد احتياج. الآن، يجد من يؤمن بهذه الأفكار ويدافع عنها فى موقف صعب، هل يدافع عن فيلم ردئ فنيا ولا يمت للفن السينمائى بصلة انتصارا لأفكار يؤمن بها؟، أم ينتقد صناع العمل الذين وجودا الفرصة لطرح أفكارهم الجريئة وفشلوا فى استغلالها؟. وسقطوا فى فخ الخطابة والحوار المباشر الذى يمكن توقع كل جملة فيه، ونمطية الشخصيات، المفكر الليبرالى الحريص على الصلاة الذى يواجه الأفكار الظلامية وسخافة الممارسات السلطوية فى آن، الأم الطيبة، الأبنة الحائرة، الإرهابى «الكيوت» المضطرب نفسيا. “الضيف” التجربة السينمائية الثانية لعيسى بعد فيلمه الأول “مولانا”، الذى حاول فيه أيضا مناقشة أفكار شديدة الأهمية ونجح الفيلم بشكل جيد وأحدث حراكا فى حينها، الفارق الأهم بين العملين هو المخرج. “مولانا” تصدى له المخرج الكبير مجدى أحمد على، المؤمن بالأفكار الليبرالية التى قدمها فى فيلمه ودافع عنها عبر سنوات طويلة فى أعمال سينمائية وفى كل منبر اعتلاه. أما فى “الضيف” وقع المخرج هادى الباجورى أسيرا فى سحر كلمات عيسى وسطوته والكاريزما التى يتمتع بها، فخرج «الضيف» كحلقة «توك شو». لم يحاول الباجورى الإنغماس فى النص، وفشل فى ترجمته إلى لغة بصرية فكانت النتيجة محاضرة طويلة شديدة الملل. والأكثر خطورة من جانب مخرج العمل، هى تصريحاته الأخيرة حول رفضه إسناد دور الإرهابى _الذى لعبه أحمد مالك_ إلى ماجد الكدوانى لأنه مسيحى !!. الباجورى الذى تحمس لتقديم فيلما يناقش قضايا الآخر والمساواة ودولة المواطنة وقضايا الحسبة، نظر إلى خانة ديانة أبطاله وصنفهم وفق ما يعتنقوا !. إن كان للضيف حسنة فهى بالتأكيد العملاق خالد الصاوى، الذى أدرك منذ البداية أن الكرة فى ملعبه، وملعبه وحده دون معاونة من باقى اللاعبيين، فاستطاع نحت شخصية سوف يتذكرها محبيه طويلا، وأضفى عليها لمساته الخاصة لتصبح من لحم ودم. لهذه الأسباب، وغيرها، جلست وحيدا فى قاعة العرض، تحمس فى الأيام الأولى عدد من المشاهدين الذين انتظروا فيلما مثيرا عميقا يناقش قضية تمس الحياة اليومية، وزادت حماستهم بعض الأخبار المغلوطة لما تردد حول نية الرقابة فى منع الفيلم أو رغبتها فى التدخل، هؤلاء من شاهدوا الفيلم فى أيامه الأولى، وهم أيضا من أصابتهم الصدمة، وبالتالي خلت القاعة من المشاهدين وفشل صناع العمل فى إيصال رسائلهم لأن قاعات السينما لا تصلح لقراءة المقالات.

عدد المشاهدات 119

الكلمات المتعلقة :