مقالات

لا تعرف الأذن لصوتها فراقاً


  أ.د.إلهام سيف الدولة حمدان
2/7/2019 11:55:03 AM



أسطورة من أساطير الغناء العربى، لم تتزحزح مكانتها قيد أنملة حتى اللحظة، فالماس بريقه لا ينطفىء مهما مر عليه الزمان؛ بل تعلو قيمته ويزداد إقبال العارفين بقيمته الحقيقية. وماستنا النادرة كوكب الفن المنير “ثومة” لمن لا يعرف لم تكن تتقن الغناء فحسب؛ بل كانت ذات قلم شمرت به عن ساعديها لتخوض تجربة الكتابة الصحفية فكانت باكورة مقالاتها ما خطته فى جريدة “أخبار اليوم” فى عددها الثالث بتاريخ ٢٥من نوفمبر فى العام ١٩٤٤ حيث تحدثت عن بداية مشوارها الغنائى منذ كانت طفلة لاتفقه شيئا مما تتغنى به فلقمة العيش هى الحاكمة دون خجل ولا إخفاء؛ ثم عشقها للغناء بمرور الزمن، وكيف كانت تغنى وشعورها حينها؛ عنونته بـ”حينما أغني”؛كتبت:
“غنيت وأنا طفلة صغيرة، لا أعرف من أمور الدنيا إلا ما يعرفه الأطفال. غنيت وأنا لا أشعر بما أقول، ولا أحس بحلاوة النغم فى فمي، ولا أعرف بهزة الطرب فى قلبي، وكنت إذا صفق الناس عجبت، وساءلت نفسي: لماذا يصفقون؟!”. وهكذا لا أستطيع أن أقول إننى عشقت الغناء طفلة، أو أن أدعى أننى كنت أردد القصائد والموشحات بدلاً من البكاء. لقد غنيت لـ”اللقمة “ لا لـ “ النغمة”.. غنيت لأعيش؛ لا للفن ولا لآلهة الفن الجميل. وعندما كنت طفلة أغنى فى الأفراح، كانت أمنيتى أن تحدث مشاجرة واحدة على الأقل بين المدعوين، أو بين أصحاب الفرح_لأتفرج_ وأستريح من عناء المغنى!، والليلة المتعبة عندى هى التى تمر بسلام، فلا يحدث فيها ضرب، ولا يقع جري، ولا ترتفع فيها الكراسى فى الهواء، ولا تتكسر الفوانيس على رءوس المدعوين، ففى مثل تلك الليلة الهادئة كنت أضطر أن أكرر القصيدتين الوحيدتين اللتين كانتا كل محصولى “الغنى” فى تلك الأيام! كنت أصعد إلى المسرح لا يهمنى شيء، ولا أبالى بشيء، ولا يخيفنى شيء.. وأى شيء يخيف طفلة صغيرة لا تعى ما تفعل، ولا تفهم كلمة واحدة مما تقول؟!. وكبرت وبدأ حظى يكبر معى، وبدأت “تذوق الفن”، عند ذلك بدأت أتهيب المسرح، وأرهبه، وأخشاه، وأشعر كلما غنيت أننى مقبلة على امتحان رهيب، وأن المستمعين هم أولئك الممتحنون الذين لا يرحمون، ولا يتساهلون، ولا يقبلون عقد امتحان ملحق للراسبين. ويحدث أحياناً أن أذهب إلى حفلة من الحفلات، وأنا على تمام الاستعداد لها، مزاج رائق، وصحة طيبة، فلا أكاد أفتح فمى للغناء حتى أتمنى لو أخذوا منى كل ما أملك، وعتقونى لوجه الله.. ولا أغني. وفى بعض الليالي، قد تكون صحتى ليست على ما يرام، ومزاجى لا يصلح للغناء، وإنما أذهب لأداء واجب، فلا أكاد أفتح فمى حتى تترقرق دمعة فى عيني، وتظل حائرة، ثم لا ألبث أن أنسى الناس وأغنى لنفسي، وأفتح عينى وأنظر للجمهور ولكننى لا أراه! أتصور المكان وليس فيه أحد سواي، لا أسمع أصوات التصفيق، ولا صيحات الاستحسان، فإذا كررت مقطعاً فإنما أكرره لأننى أريد ذلك، لا لأن صوتاً ارتفع يقول لي: “كمان”. فى مثل هذه اللحظات أغنى وأنا أحلم، وتصبح القطعة الغنائية قطعة من قلبي، فإذا قلت :”سافر حبيبي” فإننى أتخيل أن لى حبيباً، وأنه أسلمنى للألم والعذاب. وإذا أنشدت “غنى الربيع” أحسست أن الدنيا كلها ربيع يغني: الأطيار تغني، والأشجار تورق، والوجوه تبتسم، والنسيم يراقص الغصون على أنغام الطير، وأرى الورد نعسان حقاً، والكون يشاركنى فرحي، والجو يعنى “كل لحن بلون”.. ثم أتلفت وأبحث عن الحبيب الذى تخيلته فلا أجده، وأشعر أنه غاب عن قلبى الحائر، وأناديه: “كلمني”! وأذكره بالماضى الذى أعيش فيه، وأقول له: “طمني”، وأسأله عن حال فؤاده. هل قسا وأنا صابرة؟ هل غضب وأنا راضية؟ ثم أنظر حولى فإذا أنا وحيدة حقاً، وإذا الأزهار جفت فوق الغصون، وإذا الشمس غابت من أفق الأحلام، وإذا الأرض صحراء جرداء لا فيها زرع ولا ماء. وفى بعض الليالى أنتهى من غنائى وكأننى أنتهى من حلم، فيوقظنى تصفيق الجمهور فى نهاية المقطوعة، فأحس بالرعدة فى جسمي، وأشعر شعور النائم حين يستيقظ بعد حلم رائع ويتمنى لو أنه لم يفتح عينيه، وعاش إلى الأبد فى ذلك الحلم الجميل! وهناك ليلة فى عمرى لا أنساها، تختلف عن كل ليالى حياتي، ليلة أن غنيت فى النادى الأهلي، وكانت ليلة العيد، وأقبل الملك فاروق. مفاجأة.. أحسست عندئذ أن فى قلبى عيداً سعيداً، وأن فى قلبى موسيقا تعزف بأعذب الألحان. وأحسست فى الوقت نفسه برهبة، وخوف. وحرت ماذا أغنى فى حضرة المليك؟! ورحت أغنى.. ولم أشعر بشيء بعد ذلك، ولم أعرف أننى أجدت، ولم أعرف أننى فشلت. بعد ذلك بأيام كنت فى محطة الإذاعة، أسمع الشريط الذى سجلت عليه أغانى الحفلة، فأغمضت عيني، ورحت أسمع، ولم أتمالك نفسي، فوجدتنى أصيح: الله.. يا أم كلثوم! مقالها ينم عن قلم مرهف يصوغ احاسيس صاحبته بدقة وتلقائية وعفوية محببة لا يمل معها القارئ بل يتناسى شغفه لمعرفة المزيد عما يجيش فى صدرها لحظة بلحظة_ قبل وأثناء وبعد الغناء_ يساعدها خفة ظل تمثلها خاتمة المقال الذى داعبت فيه القارئ و امتدحت نفسها بخيلاء لا يخلو من خجل الممتدح لنفسه لكن فى سياق”القافية تحكم”الله يا أم كلثوم ! لم نستشعر فيه غرورا _وهى كوكب الشرق_ بل لطافة وظرفا.فقدطافت بقلمها بنا داخل اعماق قلبها واشعرتنا معاناتها من الوحدة لغياب الحبيب ،ثم تنقلت بنا بين الأشحار والزهور ونقلت إلينا الاحساس ببهجة الربيع وفرحة العيد.كان غناؤها حلما لا تريد اليقظة بعده؛ فاندماجها كان ينسيها أن هناك نهاية للغناء الذى تمنته فعلا مستمرا استمرار الحياة..وليست وحدها فى هذا الاحساس الذى تملكها فنحن جمهورها العاشق لا نريد أن نحرم متعة الاستمتاع بروعة صوتها واحساسها الذى لانفيق منه بتصفيقنا كما تفيق هى لكن نكتفى بصياحنا الذى لا ينقطع ولن ينقطع بعد كل أغنية أو قصيدة ..الله..يا ست! هذا الاستحسان الأشهر لمعجبى فنها وصوتها وشخصها ومواقفها الوطنية الأصيلة أصالة مصرنا المحروسة.فهى حينما تغنى تظل وستظل تغنى فصوتها لا تعرف الأذن له فراقا ؛ففنها أبدا لا يغيب ولن يغيب!.

عدد المشاهدات 46

الكلمات المتعلقة :