مقالات

أم كلثوم الناقدة .. وأزمة الموسيقى


  رشا يحيى تكتب:
2/10/2019 1:31:51 PM

«من حزن فليستمع للأصوات الطيبة.. فإن النفس إذا حزنت.. خمد منها نورها.. فإذا سمعت ما يطربها.. إشتعل منها ما خمد».. مقولة تنسب لأفلاطون، لكنها تتجسد في أم كلثوم، التي ستظل رمزا للطرب الذي لا يعالج الحزن فقط، وإنما يعالج النفوس ويطربها في حالات الحب والفرح والشجن والإنكسار.. ويظل صوتها وأسلوبها الغنائي مدرسة يتعلم منها أهل الغناء والعزف، وتظل أغانيها الاختبار الأصعب أمام كبار المطربين.. وهي ليست مجرد إمكانيات صوتية متفردة وموهبة غنائية عظيمة، وإنما حالة لم تتكرر.. لأنها لم تعتمد على موهبتها فقط، وإنما كانت شخصية متكاملة، وكيان جمع الموهبة والعلم والذكاء والخبرة.. وأحاطها الله فى كل مراحلها بشخصيات تعلمها وتلهمها.. فحفظت منذ طفولتها القرآن الكريم وتعلمت أصول تلاوته.. والذي منحها منذ البداية القدرة على الإرتجال والتنقل بين المقامات بسلاسة.. وأتقنت غناء التواشيح والشعر القديم، ثم أثقلت موهبتها بتعلم العزف على العود وفهم المقامات والأوزان والضروب الإيقاعية.. وكان لديها قدرة هائلة على التطور وملاحقة العصر، بداية من الانتقال شكلا وموضوعا من الريف للحياة المدنية، وتغير أسلوب الغناء القديم الذي كان يعتمد على الزخارف وإستعراض المهارات بشكل أكبر، إلى توظيف أساليب الغناء لخدمة التعبير.. ثم إنصياعها للشكل الرصين السائد في الحفلات ببداية الثلاثينيات، بحيث كانت تتوسط التخت وهي ممسكة بالعود لتصاحب غنائها، ثم تفرغها للغناء فيما بعد.. وكانت ترحب بتطوير الشكل التقليدى للتخت، وما طرحه المبدع محمد القصبجي، بإضافة آلات غربية كالتشيللو والكونترباص.. وظلت تستجيب لإقتراحات الملحنين بإضافة الآلات الغربية كالأكورديون والجيتار والأورج.. وقد روى لي المؤلف الموسيقى الكبير د. جمال سلامة -والذي كان أول من يدخل الأورج إلى مصر وأول من يعزفه - أنه حين بدأ العزف في أول بروفة مع أم كلثوم، وكان الأورج يستخدم لأول مرة في أغانيها، لم يتوقف بعد أن إنتهت الفرقة من المقدمة الموسيقية، وإستمر بالعزف بمصحابة صوت أم كلثوم، وكان يقوم بأداء بعض الهارموني (النغمات التي تتزامن مع اللحن وتتوافق معه) والذي كان غير معتادا آنذاك.. فإستوقفه عازف الكونترباص عباس فؤاد - الشهير بعظمة - حتى لا تغضب أم كلثوم، لأنها كانت لا تحب أن يصاحبها العازفين أثناء الغناء، فكان المعتاد أن تعزف الفرقة في المقدمة والفواصل فقط.. ففوجئ د. جمال بأم كلثوم توقف الفرقة، وتسأله عن سبب توقفه، فأجابها بأن «عظمة» أخبره بأنها لا تحب العزف معها، فطلبت منه الإستمرار قائلة: «قول يا جمال الحاجات الحلوة دي».. وهو ما يؤكد تذوقها وحسها الفني المتطور.. كما كان لديها طاقات هائلة، فكانت متعددة المواهب، فإلى جانب الغناء والعزف والتمثيل، كان لها تجارب في الكتابة الشعرية والتلحين.. حيث كتبت قصيدة «تبارك من تعالى في علاه» وغنتها، وأيضا موشح «يا حبيبي يا محمد» ولحنته وغنته.. كذلك لحنت طقطوقة» على عيني الهجر»، ومونولوج «يا نسيم الفجر».. وكان لها أيضا موهبة في الإدارة، وقدرة على الزعامة.. حيث كانت صاحبة الفضل في تأسيس أول نقابة حكومية للموسيقيين، وكانت أول من يُنتخب لرئاستها.. وأول وآخر إمرأة تتولاها!!.. كذلك كانت شخصية إيجابية ومؤثرة في الحياة العامة.. فكانت تتناقش مع معارفها وأقاربها في الأحوال العامة، ومشكلات القرى والمستشفيات وغيرها، وما يروه من حلول، وكانت تناقشها مع الرئيس عبد الناصر.. أما دورها الإجتماعي والوطني فلم يقتصر على جولاتها الفنية التي تبرعت فيها بكامل أجرها للمجهود الحربي!!.. لكن كانت تقوم بالعديد من الأعمال الخيرية منها: إنشاء مكتبة ومستوصف طبي في قريتها.. أما ما فاجأني هو موهبتها الأدبية وقدرتها النقدية في كتابة المقالات، حيث كان لها عدة تجارب في بعض الصحف المصرية، وكانت أحيانا تستخدم الأسلوب الساخر للتعبير عن فكرتها، أو الشكل الجاد والرصين.. فمثلا في أحد المقالات بمجلة «آخر ساعة» عام 1951 بعنوان «موسم النرفزة» إنتقدت شبكة التليفونات، حيث كانت تتداخل المكالمات، ويظهر أكثر من صوت في المكالمة، وبدأت تتخيل طرائف ما بين الحكومة والشعب بسبب تداخل الخطوط، وأنهت مقالها: «وهكذا تعودت الآن أنني إذا طلبت رقماً في التليفون لا أقول «هالوه».. وإنما أقول: سيداتي.. سادتي!».. وقد فوجئت بأم كلثوم الناقدة، في مقال بجريدة «الأهرام» عام 1962 بعنوان: «شخصيتنا.. يجب أن تسيطر على فنوننا».. حيث إنتقدت ملحنى عصرها بشكل ملفت وكتبت: «أوكد أن مستقبل الأغنية سيكون معتمداً على الإطار.. وهذا الإطار هو (العلم).. العلم الذي يشمل كل ما له صلة بالأغنية من أداء صوتي وتلحين وتأليف وعزف وتوزيع.. ويدفعني الحديث عن التوزيع الموسيقي إلى القول إن بلادنا هي الوحيدة الشاذة التي يعتمد فيها الملحنون على غيرهم عندما يوزعون ألحانهم.. في الغرب يعتمد كل ملحن على نفسه في توزيع ألحانه.. لأن العلم قد فتح له أبواب التوزيع الموسيقي.. ويمكن للكونسرفتوار وغيره من المعاهد الموسيقية التي تعتمد على العلم أن تفتح الطريق أمام الموسيقيين عندنا لكي يقوموا بأنفسهم بتوزيع ألحانهم.. فليس أقدر من الملحن نفسه على التوزيع الموسيقي لإنتاجه».. وهو ما يُظهر مدى وعيها، وإن كان الأمر أصبح أكثر تدهورا الآن!!.. وقد تناولت في نفس المقال ترحيبها بإنشاء المعاهد الفنية - حيث كانت أكاديمية الفنون قد أنشأت عام 1959 - والتى وصفتها بأنها «أنشأت بهدف محو الأمية من ميادين الفن.. وأن هذا ما تتطلبه طبيعة التطور من ناحية وواجبنا القومي من ناحية أخرى».. وتحدثت عن فن الباليه ونشأته في مصر، وطالبت أن يتجه نحو قصصنا وتاريخنا، وألا نعيش عالة على غيرنا، أو نقلد سوانا.. «وإلا كان الباليه العربي اسماً لا فعلا».. رحم الله «كوكب الشرق» التي مزجت المواهب الفذة بالوعي والثقافة والرقي والإعتزاز بالنفس، فكانت سببا لإحتفاء ملوك ورؤساء العالم بها وبالفن المصري، وصارت دوما رمزا نفتخر به.

عدد المشاهدات 26

الكلمات المتعلقة :