نجوم العالم

العلاقات الحميمية وإعادة اكتشاف الإنسان تتوج بـ « الدب الذهبى»


  
3/4/2018 4:22:39 PM

خالد محمود
يكتب من برلين :





جاءت بعض جوائز الدورة 68 لمهرجان برلين السينمائى الدولى، حسب التوقعات، بينما جاء بعضها الآخر مخالفا لتلك التوقعات، بل ومثل مفاجأت كبرى ودهشة لدى المتابعين، وبين هذا وذاك، فإن دورة هذا
العام جاءت حافلة بمجموعة من الأفلام المهمة والمتميزة، التى تبارى فيها المخرجون والنجوم لتقديم أدوار وقصص وحكايات ورؤى فنية عميقة وجديدة وكاشفة عن أبعاد جديدة لفن السينما، إذ يعتبر مهرجان برلين السينمائى أحد أهم روافد الكشف عن مدارس سينمائية جديدة وموهوبين يطلقون العنان لإبداعهم على شاشته.. وفى لحظة تسلم الجوائز عبر الفائزون بحق عن مشاعر الفوز فى مشهد يبدو وكأنه مشهد من ذهب.




كانت أولى المفاجآت وأكثرها استحواذا على جلسات النقاش بين نقاد العالم، هو فوز الفيلم الرومانى " لاتلمسنى "، للمخرجة أدينا بينتيلى، وهو العمل الذى يشكل مغامرة كبرى فى موضعه الذى طرحه، والذى سيواجه صعوبة كبيرة إذا فكر صناعه عرضه تجاريا، اذا لا يمكن ان يكون فيلما جماهيريا، وسيجد ضالته فقط فى المهرجانات السينمائية، التى تهوى هذا النوع من الأفلام وتحتضنه، فالمخرجة التى قدمت فيلمها وأبطالها بطريقة مدهشة ما بين الشكل التسجيلى والروائي، حيث هناك اعترافات وشهادات يرويها ابطاله للجمهور، تتخللها مشاهد درامية،




 يتناول عدد من القضايا الإنسانية وبالتحديد اكتشاف الحميمية وعلاقة الإنسان بجسده، وأثار العمل جدلا فى أروقة مهرجان برلين حيث اتسم بجرأة كبيرة كانت صادمة لعدد من المشاهدين، الذين ترك بعضهم قاعة العرض على فترات، كما لفت الانتباه الطريقة المدهشة التى قامت المخرجة باستخدامها مع ابطالها، وكأنهم يكتشفون جسدهم على الهواء امام الكاميرا، فهناك ثلاث شخصيات رئيسية امرإة خمسينية تعجز عن الاستمتاع بالجنس، إذ تعانى أزمة مع التواصل الجنسى بعد ان فقدت الاستمتاع به، وشاب أخر معاق يفشل فى اقامة علاقة بسبب طبيعة جسده، فهو قعيد يعانى من تشوه فى جسده، ورجل متحول جنسيا.


 المخرجة حاضرة على الشاشة مع شخصياتها، الفيلم عبارة عن جلسات علاج جماعى وفردى، هو عمل مركب ومربك، فيلم مهرجانات بحق. وقالت المخرجة الرومانية أدينا بنتيللي، إنها لم تكن تتوقع الفوز بهذه الجائزة لفيلمها الذى يمزج بين الحقيقة والخيال مع تناوله عديد من الشخصيات التى تسعى لإقامة علاقات حميمة وإن كانت تخشى منها فى الوقت نفسه. وتابعت المخرجة: "تجربتى فى هذا الفيلم لم تكن سهلة وإنها استغرقت تحضيرات ما يقرب من 7 سنوات"، مؤكدة أنها "اختارت فريق عملها فى اربع سنوات، واضطررت لعمل بحث استمر لفترة طويلة للعثور عليهم،لأننى كنت اريد فريق بمواصفات خاصة، واعتبرهم أبطال حقيقيين لقبولهم العمل معى، لأن العمل فى هذا الفيلم بمواصفاته الخاصة مغامرة كبرى كما أن وقوفهم أمام الكاميرا لأول مرة أيضا لم يكن سهلا ولكنهم كانوا أكثر من رائعين. وأضافت: "الفيلم يحمل عديد من التحديات على جميع المستويات، وهناك أشخاص انسجموا وذابوا مع أحداث الفيلم، بينما هناك أشخاص لم يرتاحوا للفيلم وشعروا بغربة، وهذا ما اكتشفته وتعرفت عليه من جمهور المهرجان الذى شاهد الفيلم، ولكنه بالنسبة لى دعوة لنفهم أنفسنا ونفهم الأخرين، فالفيلم أشبه بالتجربة التعليمية فى إطار درامى، ومنصة نستوعب منها طبيعة التعامل مع الأخر".

وقالت أدينا: "حتى سيناريو الفيلم لم يكن اعتياديا مثل باقى العناصر، وأحيانا كنا لا نعرف الخطة التالية بعد أن نقوم بتصوير عدد من المشاهد، حتى إننا وقفنا كثيرا أمام مشهد البداية، وكيف سيكون الفيلم، ولذلك اخترت أن يكون واقعيا، لذلك جمعت بين الشكل الوثائقى والروائى كى نسهل عملية الرصد والحكي، وكان عندما تأتى إلينا فكرة فى سياق الموضوع كنا نقوم بتصويرها". "متحف" وكانت المفاجأة الثانية، حصول الفيلم المكسيكى "متحف" للمخرج الونسو ريزبالسيوس، على جائزة السيناريو، على الرغم من انه لم يكن الأفضل، كان سيناريو تقليديا يميل الى السينما التجارية فى شكله وصياغته،




حتى ان الفيلم لم ير تحديات على مستوى الكتابة، بل كانت تقليدية عبارة حكاية شاب يخطط لسرقة المتحف الوطنى من اجل المال، وعندما ينجح فى سرقته، يفشل فى تحقيق ما تمناه، لا يعرف بيع المقتنيات المسروقه، وعندما فكر فى اعادتها للمتحف بناء على رغبه ابيه الذى لامه وعنفه كثيرا، يتم القبض عليه. وبدون ترتيب توحدت مشاعر الجمهور ولجنة التحكيم برئاسة توم تيكوير فى الإعجاب بالفيلم البولندى «mug " او " القدح "، للمخرجة مالجورزاتا سزوموزكا والذى اقتنص جائزة الدب الفضى التى تمنحها لجنة التحكيم الكبرى. وذلك لقدرة العمل على فرض شخصياته، وتسللها إلى أعماق المشاهدين، وكذلك إلهام أبطاله بمعايشة حقيقية للشخصيات التى بدت مركبة وساخرة للغاية، وفى مقدمتهم الممثل ماتيوسكوسس يوكيويتز الفرنسى والذى قدم دورا بارعا بتجسيده دور جاسيك أحد شباب الجنوب البولندى الذى يعيش حياة عابثة فى قرية بولندية، يسمع موسيقى الميتال ولا يهتم كثيرا بصورته أمام الآخرين، ويعيش قصة حب كبيرة، وبعد ساعات من تقدمه للزواج من حبيبته التى سافرت فى رحله، يتعرض لحادث ضخم خلال عمله فى مشروع اقامة اكبر تمثال للمسيح فى العالم، وهو مشروع حقيقى نفذته بولندا قبل سنوات. ويسقط من اعلى قمة البناية الى قاع الحفر، وهو ما يجعله يتعرض لجراحة زراعة وجه، لكن العملية تحوله شخصا اخر، وجهه مشوه، لا يستطيع الكلام بشكل طبيعى، ويصير الحدث نقطة تحول لتجعل التعاسة تحوم حوله، حتى وان يحاول التغلب عليها بسخريته من الجميع، خاصة بعد ان تركته حبيبته وتتهرب منه الام لم تصدق انها ابنها، بل وتطلب من الكنيسة اخراج الروح الشريرة التى سكنته، الحدث يصير نقطه تحول الى التعاسة. وقدمت المخرجة رؤية بالغة القسوة للمجتمع البولندى، فى صورة سينمائية مدهشه. "الجوائز" وحصل الممثل الفرنسى أنتونى باجون على جائزة الدب الفضى لأفضل ممثل عن دوره فى فيلم"لا بيير" أو "الصلاة" للمخرج سيدراك خان. بينما حصلت الممثلة أنا بران من باراجواى على جائزة أفضل ممثلة عن دورها فى فيلم "الوريثات" أو "ذا أيرس" للمخرج مارسيلو مارتينيسي، وهى الجائزة التى توقعناها هنا، حيث قدمت انا بروان دورا رائعا فى شخصية تشيلا التى تعيد اكتشاف نفسها ورغبتها فى عيشة حياة مختلفة تتغلب بها على ازماتها، بل وكان الفيلم مرشح لاكثر من جائزة. وحصل المخرج الأمريكى ويس أندرسون على جائزة الدب الفضى لأفضل مخرج عن فيلم الرسوم المتحركة "جزيرة الكلاب" الذى يحكى قصة مدينة يابانية تُرحل كلابها إلى مكب نفايات فى إحدى الجزر خلال تفش لمرض انفلونزا الكلاب. وتسلم بيل مورى الذى أدى بصوته دورا فى الفيلم الجائزة فى الحفل نيابة عن أندرسون. وقال بسخرية كوميدية: "لم أكن أتخيل قط أن أذهب للعمل ككلب وأعود كدب". ودون شك تشكل هذه الأعمال محطات مهمة فى تاريخ صناعها، ولحظة السعادة الكبرى لديهم أن تصل أفكارهم السينمائية وتتوج بالجائزة، فهذا يشعرهم بالرضا عن المشوار إلى حد كبير. وكان ويس أندرسون قد اكد أن تجربته فى هذا الفيلم، تجربة خاصة جدا، حاول أن يصنع خلالها فيلم رسوم متحركة على غير أفلام الرسوم المتحركة الأمريكية المعتادة، مؤكدا أن الفيلم هو مزيج من أفلام كوروساوا و ميازاكيلانها، وهما مدرستان كبيرتان فى الرسوم المتحركة، فأحدهما يهتم بالتفاصيل والآخر يعتمد على الصمت ويرصد حالة الطبيعة بسلام، وبين المدرستين حاولت أن أصنع فيلمًا مختلفًا. ودون شك يحظى مهرجان برلين السينمائى بشفافية كبيرة فى جوائزه، وهو ما يحسب للجنة تحكيمه، التى استسلمت لقناعاتها فقط، دون الالتفات لأى شىء اخر، حيث خرج الفيلمان الالمانيان "عبور" للمخرج كريستيان بيتزولد، و"بين الممرات" للمخرج توماس شتوبر، بدون جوائز، و"عبور" هو فيلم مأخوذ عن رواية تحمل نفس الاسم للكاتبة أنّا زيجرز، والتى كتبتها فى المنفى، حيث يَعرِض المخرج كريستيان بيتزولد لحياة أحد كتاب المنفى الالمان الفارين من قبضة الجيش فى فترة حكم النازى أثناء احتلال مارسيليا عام 1940، ومحاولة هروبه. فى الفيلم الالمانى الثانى " بين الممرات " يفتح المخرج توماس ستوبرنافذة على عالم الرومانسية الخاص لأحد العمال العاديين فى لايبزيج احدى المقاطعات الشرقية، وكذلك يغوص فى تحليل الاشياء، والواقع، والرغبات والأحلام التى تتكشف فى صور شديدة العمق،



حيث نرى ان كل يوم يمر من الزمن يتم تحويله إلى ساعات من الواقعية السحرية التى تتجاوز قصص العطاء والحب وصولا الى مفهوم جديد للامل لحياة غير واضحة المعالم، مليئة بممرات لا نهاية لها، وذلك من خلال العلاقات المتشابكة بين مجموعة شخصيات الفيلم كريستيان الذى يعمل على تنظيم الارفف داخل سوبر ماركت ويجسده فرانز روجوسكى، وماريو ن، وبرونو "، و الذين يكافحون من أجل أفراح صغيرة فى الحياة. ومنحت هذه الجوائز لجنة تحكيم مؤلفة من ستة أشخاص برئاسة المخرج الألمانى توم تيكوير. وعُرض فى المهرجان الذى بدأ فى 15 فبراير نحو 400 فيلما تنافس 19 منها على جائزة الدب الذهبي.

عدد المشاهدات 121

الكلمات المتعلقة :